الجزء السابع: يوسف في مواجهة الجن | أسرار العلم من الكتاب


أسرار العلم من الكتاب: رؤية القلب وعلوم الغيب
العلم من الكتاب: التصنيف الثالث وعطاء يوسف عليه السلام
استكمالًا لموضوع "أسرار العلم من الكتاب". لقد تحدثنا عن يوسف عليه السلام وعطاء الله له العلم من الكتاب، لعلم الغيب المطلق والنسبي. وهو التصنيف الثالث للعلم من الكتاب. وكان ذلك عن طريق الرؤى والأحلام وتعبيرها كذلك.
رؤية القلب: مصدر للعلم غير مادي
والعلم من الكتاب للغيب المطلق المستقبلي أو النسبي ليس عن طريق الرؤى والأحلام فقط. بل له طرق عديدة أخرى، ومنها رؤية القلب. كما قال الله سبحانه وتعالى: "مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ". أي أن القلوب لها رؤية أخرى بخلاف العين المجردة.
حدود رؤية العين: بين المرض والخداع البصري
وهي رؤية للقلب، وليست للمخ. ولأن رؤية العين معتمدة على المخ، فإنه لا يوثق في رؤية العين بنسبة كاملة. لأن أولًا المخ قد يكون مريضًا، فينتج عنه الهلاوس البصرية والسمعية. كما هو معروف لمرضى الفصام والذهان النفسي.
خداع العين والسحر: دروس من قصة موسى عليه السلام
هذه من جهة. والجهة الأخرى قد تخضع العين لمؤثر خارجي يخدعها، كما هو الحال في الخدع البصرية المعروفة علميًا. هل تصدق كل ما تراه؟ الشيء الجميل في الخدع أنها تجعلنا ندرك أن الأشياء ليست دائمًا على ما تبدو عليه. أو مؤثر سحر الأعين، كما قال تعالى في قصة سيدنا موسى مع سحرة فرعون: "قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ".
أصالة رؤية القلب: جوهر علم الحقيقة
لذا فرؤية القلب أصدق. وهي مصدر رئيسي من مصادر معلومات العلم من الكتاب وعلم الحقيقة.
علم يوسف عليه السلام بالغيب المطلق والمستقبلي
وقال تعالى على لسان يوسف عليه السلام لصاحبيه في السجن: "قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ". أي لا يأتيكم طعام من منازلكم ترزقانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله. أي بنوعه وبقدره ولونه والوقت الذي يصل فيه إليكما. فهذا علم يختلف عن تعبير الرؤيا لهما، وهو علم الغيب المطلق والمستقبلي عن طريق رؤية القلب. وهو موضوع طويل لتمحيصه ودرء الشبهات عنه، ولربما أخصص له حلقة منفصلة إن شاء الله.
منحة الله من الغيب: ليس حكرًا على الأنبياء
ويفيض الله على من يشاء أيضًا، بخلاف الأنبياء، بجزء من الغيب المطلق وأخبار المستقبل. قال تعالى: "قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ". ومقصوده في هذه الآية سبحانه وتعالى أن بيده علم الغيب وكلياته.
تصحيح المفاهيم حول علم الغيب
قال تعالى: "يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ". أي أن هناك مشيئة لله يطلع بها من يشاء بما شاء على الغيب المطلق، علمًا جزئيًا وليس كليًا. وليس كما يدعي البعض أنه لا يوجد شخص على الإطلاق يعلم أي غيب مطلق.
قصة الخضر وموسى: دليل على علم الأولياء
وتجد المعارض يبادرك دائمًا بمقولة: "كذب المنجمون ولو صدقوا أو صدفوا". وهي ليست حديثًا أصلاً. بل هو في الحقيقة منحة لمن يشاء الله من عباده. ولعل في قصة الخضر عليه السلام، وهو ولي صالح، آتاه الله من علم الغيب ما لم يؤت موسى عليه السلام نفسه من العلم، وهو من هو (كليم الله). فهناك أولياء لله يطلعون على الغيب عطاءً من الله. وسوف نتطرق لقصة الخضر مع موسى فيما بعد إن شاء الله.
الجن وعلم الغيب: حدود المعرفة
وفي المواجهة، نجد الجن ليس لهم القدرة على معرفة الغيب المطلق ككل. أما النسبي فنعم، فعندهم القدرة على ذلك حال أي إنسان. كما وضحنا سابقًا، شاهد حادثة لم تشاهدها أنت.
موت سليمان عليه السلام: كشف حقيقة الجن
قال تعالى: "فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ". ذكر تعالى كيفية موت سليمان عليه السلام، وكيف عمّى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة. فإنه مكث متوكئًا على عصاه – وهي منسأته – مدة طويلة نحوًا من سنة. فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقط إلى الأرض. وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة. تبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون.
استراق السمع من السماء: محاولات الجن ونهايتها
وإن كان بعض الجن من المردة يسترق السمع من السماء. قال تعالى: "وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا". كان الجن يقعدون مقاعد لاستماع أخبار السماء، وهم المردة من الجن. كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة. فحرسها الله بالشهب المحرقة.
كهانة الجن: الزئبق الأحمر وتنبؤات الكهان
وعندما يلقون ذلك إلى الكهان من الإنس، يزيدون على الكلمة مائة كذبة من عندهم، فيصدق الناس ذلك. فلما بعث الله نبيه محمدًا، حُرست السماء، ومُنعوا من ذلك بالحرق بالشهب. وجاء منه تعبير الزئبق الأحمر، وهو دم الشهيد على حسب كلام الجن لذلك. وهو ما يفسر لما يكون بعض الكلام من تنبؤات الكهنة صحيحًا، من تسريبات لربما تكون قديمة أو جديدة، لكنها ضئيلة جدًا من أخبار السماء.
التنجيم والفلك: تباين العلم والمعتقد
أما علم التنجيم وعلم الفلك فكانا علمًا واحدًا حتى القرن السابع عشر. لكن انفصلا بعد ذلك.
دقة التنجيم: الارتباط بالنجوم لا التكهن بالمستقبل
لكن علم التنجيم به جزء صحيح عن ارتباط الإنسان وأمراضه وشخصيته بالنجوم، وليس المستقبل كما يدعي البعض. قال تعالى: "وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ". فالآية تحمل المعنيين لكلا العلمين معًا، علم الفلك وعلم التنجيم.
تحريم السحر بالنجوم: تحذير نبوي
أما المحرم فهو السحر بالضرب على النجوم. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد".
خاتمة وترقب: العلم اللدني وعلم الغيب
ولا يحتمل وقت الحلقة الشرح الوافي والتفصيلي لأي علم من العلوم السابق ذكرها، والرد على المعارض. واستكمالًا لموضوع "العلم من الكتاب"، سنكمل في الحلقة القادمة التصنيف الثالث: العلم اللدني وعلم الغيب.
دعوة للمتابعة
دمتم على خير، وتابعونا في الفصل التالي إن شاء الله.
لمشاهدة جميع الأجزاء معًا اضغط على الرابط
🔗 أجزاء سلسلة "أسرار العلم من الكتاب"
- الجزء الأول: في مواجهة العفريت
- الجزء الثاني: برخيا في مواجهة أينشتاين
- الجزء الثالث: روندا بايرن في مواجهة القلم
- الجزء الرابع: يوشع بن نون
- الجزء الخامس: الخواص في مواجهة جوجل
- الجزء السادس: يوسف في مواجهة نوستراداموس
- الجزء السابع: يوسف في مواجهة الجن2 (أنت تقرأه الآن)
