الجزء الثالث | انا والآخر ( إشكالية العقل والنقل )


أنا والآخر (إشكالية العقل والنقل) - الجزء الثالث: رؤية أحمد شاكر
السلطة الزمنية وتوطين فكر بعينه
انتشر فكر أبي الحسن الأشعري تحت مسمى مدرسة الأشاعرة في القرن الرابع الهجري. وهو يسبق ابن تيمية في القرن السابع الهجري، وبعد المعتزلة الذي ظهر بداية القرن الثاني الهجري، وطبعًا غير عشرات المذاهب الأخرى.
يُعتبر الفكر الأشعري موازنة بين النقل والعقل.
وقد أدى إلى توطين المذهب الأشعري بالأزهر حتى اليوم صلاح الدين الأيوبي؛ لمحاربته الدولة الفاطمية الشيعية (جوهر الصقلي) التي أسست الأزهر وجعلته مركزًا لنشر المذهب الإسماعيلي الشيعي، فحوّل الأزهر بعد ذلك من الفكر الشيعي إلى فكر أهل السنة وقتها، وهو المذهب الأشعري.
أو كما حدث بتوطين فكر ابن تيمية في المملكة السعودية، وذلك لمساندة الحركة الوهابية المتبنية أفكار ابن تيمية لعبد العزيز آل سعود في السيطرة على المملكة.
ومن هنا، فإن المستفاد هو أنه لا يمكن فصل فكر عن السلطة الزمنية لنشأته.
وطبعًا لسنا بصدد الشرح والتحليل لكل مذهب أو التسلسل الزمني، لكن فقط نسلط الضوء على بعض البقع الفكرية بسرعة شديدة لضرب الأمثلة، والذي قد يتسع ليشمل الملل والنحل فيما بعد.
أنا أحب الكريز لكن أُطعم السمك الديدان
في إحدى الليالي طلب مني بعض الأصدقاء التوجه إلى بعض المقاهي بوسط البلد، وقال إن يجلس به مجموعة من الشباب والشابات يتكلمون بفكر الإلحاد ونشره، وأغلبهم من الجامعات ذات الثلاثة أحرف (يقصد الجامعات الأجنبية)، ووافقت على الفور، وقلت له: ثلاثة أحرف أو ثمانية أحرف أنا جاهز فورًا للمجادلة. وفعلًا دام ترددنا إلى تلك المقاهي فترة كبيرة من الزمن، ربما شهور عديدة. وليس مقصودي هنا الرد على الملحدين، لكن مقصودي هنا أنني لبست مع هذه المحاورات عباءة المعتزلة. فليس من المنطقي أن أناقش أحدًا لا يؤمن أصلًا بوجود الإله بنصوص هو لا يؤمن بها أصلًا.
فقد تقول إن قتل إنسان آخر حتى تسرقه مثلًا لتكون غنيًا غير أخلاقي، بعيدًا عن القوانين والعقاب، فسوف يرد عليك بمنطق آخر أن لا وجود للمبادئ الأخلاقية، لكن الموجود هي المبادئ النفعية، وطالما لا يوجد قانون يجرم ذلك ولا عقاب، فلا مانع له من قتل آخر حتى يكون غنيًا، والبقاء للأقوى.
وربما تستهجن هذا الكلام، لكن هذه المبادئ استخدمها الغرب في كل الإبادات الجماعية، من الهنود الحمر في أمريكا، وفي أستراليا، وما يحدث الآن في إسرائيل.
وما لا يؤخذ بالقوة يؤخذ بمزيد من القوة.
ومن هنا، فإن رده منطقيٌّ في غياب مفهوم الآخرة والثواب والعقاب، والخوض في المجادلات بـ "قال الله" وسرد الأحاديث ليس مناسبًا في هذا المكان.
لكن الحجج العقلية تستوجب الحجج العقلية التي تقابلها.
ومن هنا نفهم لماذا استخدم المعتزلة أدوات العقل، وكان الهدف الرئيسي هو الرد على الفلسفات اليونانية التي انتشرت بعد حركات الترجمة.
ومن هنا لا يمكن فصل أي فكر عن الجغرافيا حوله، وبنفس المنطق نستطيع فهم نشأة الأفكار الأخرى، فلما زادت تعلية العقل فوق النص في فكر المعتزلة واعتُبر مبدأً في ذاته، أصبح شيئًا فشيئًا يبعد عن النص أو النقل الأصلي، فكان لا بد من ردة فعل تعيد للنص مكانته، كما فعل الأشعري.
ولما زادت الخرافات والمتكلمة والشيعة الباطنية، حاول ابن تيمية تأسيس إطار حديدي على العقل، وإعلاء النص على العقل، ولضبط العقيدة أسس علومًا للتوحيد: الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
والتي أصبحت فيما بعد تربة خصبة لحملات التكفير نفسه.
وبهذا بدأنا نتلمس بعض أسباب الخلافات ونشأتها.
النسبية وقلم الروج
وصل ألبرت أينشتاين إلى الولايات المتحدة في عام 1933 هربًا من ألمانيا النازية، واستقبلوه في الميناء الذي وصل إليه استقبال الفاتحين؛ لأن النظرية النسبية وقتها ذاع صيتها في جميع أنحاء العالم.
تابعونا في الجزء التالي.
🔗 أجزاء سلسلة "انا والآخر ( إشكالية العقل والنقل )"
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن
- الجزء التاسع
- الجزء العاشر
- الجزء 11
- الجزء 12
- الجزء 13
