الجزء الثاني: اكبر اختبار جماعي في التاريخ | الهرم المقلوب


أصحاب الأخدود والاختبار الجماعي
بقلم: أحمد شاكر
أهلاً وسهلاً بحضراتكم.
نشأة الاختبار الكوني
ابتداءً، الله خلق جميع الكائنات أشبه بمكون واحد فقط دون تحديد طبيعة كل كائن أو مخلوق من البداية. وعرض عليهم جميعًا عرض الاختبار مقابل المميزات. ولهم الحرية في قبول أو رفض هذا العرض. والعرض يبدو أنه مغرٍ من البداية، فمن سيدخل الاختبار سيكون مخلوقًا مميزًا وسوف يكون خالدًا. ثم من سينجح في الاختبار سيدخل الجنة. وفي المقابل، من سيفشل سيدخل الجحيم. والكل من البداية علم طبيعة هذا الاختبار، وأنه ليس بالسهل. وكل شيء وله ضريبته. وأغلب المخلوقات رفضت موضوع دخول هذا الاختبار؛ لأنها نظرت إلى الجانب السيئ عند الفشل. أما من رضي بدخول هذا الاختبار، فجاء نتيجة الطمع في المخلوق المميز والخلود ثم دخول الجنة، وتناسى الضريبة العظمى عند الفشل. وأصبح المخلوق المميز الخالد هو الإنسان. ومن لم يرضَ بدخول هذا الاختبار أصبح حجرًا أو بقرة أو حشرة وإلى آخره من الكائنات. وكلٌّ على حسب اختياره. والقصة معروفة لبداية خلق الإنسان وحتى الآن.
حكمة الاختبار وعدل الله
والحكمة من الاختبار، رغم علم الله المسبق بنتيجة الاختبار قبل خلق الإنسان أصلاً، أن يكون هو شاهدًا بنفسه على نتيجة الاختبار. عدل الله اقتضى عرض الاختبار على جميع الكائنات من البداية قبل الخلق أصلاً. وبالطبع ليس الإنسان مميزًا عن الحشرة أو الحجر دون قبولك هذا الاختبار من البداية.
جدال حول الاختيار البشري
وكثيرًا ما تجادل معي بعض الأصدقاء أنهم لم يختاروا من البداية أن يكونوا إنسانًا. وكان ردي التقليدي لهم أني عندي طريقة لهم بصورة أو بأخرى أنه ممكن يتراجع عن اختياره الآن. وأن يتحول فورًا إلى كلب أو صرصور أو حجر حسب اختياره. وقلت له: "فكر إلى الغد ورد علي." وقلت له مازحًا: "إني قد لا أضمن أن أدوس بالخطأ على الصرصور الذي تحول إليه إذا كان هذا اختياره." لكن صدقوني لم يجرؤ أحد بالرد علي بالموافقة على التنازل من أن يكون إنسانًا، مع صعوبة الاختبار. لأن بكلٍّ منا هذا الاختيار أصلاً.
الأمانة واختيار الإنسان
قال تعالى:
( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)
ظالمٌ وجاهلٌ؛ ظلم نفسه عند الاختيار أن يكون إنسانًا. لأنه تناسى الشرط القاسي عند الفشل. وتناسى صعوبة الاختبار. وهو لسان حال الناس حاليًا: الكل يريد الدنيا والدين والجنة معًا، رغم أنهم متعارضان. وللأسف النسبة العظمى فشلت في هذا الاختبار. لكن الفرصة ما زالت أمامنا حتى هذه اللحظة على الأغلب. وهو الموضوع الأهم على الإطلاق عن أي موضوع آخر يمكن أن يشغل الإنسان عنه.
عمق الاختبار وتحدياته
والموضوع ككل عميق ومتشعب في آليات الاختبار والتحديات. وملايين المشتتات وملايين الأسئلة. ومنها: هل الماهية قبل الخلق أم الوجود يسبق الجوهر؟ وأن الإنسان يمتلك حرية مطلقة في اختيار ذاته حسب الفلسفة الوجودية. وسوف أطرح فقط بعض الإشارات القرآنية عن طبيعة الاختبار لضيق المقام هنا. وعن الاختبار في حد ذاته، وهو قانون إلهي.
آيات قرآنية في سُنّة الابتلاء
قال تعالى:
(أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى)
وقال تعالى:
( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)
صور الاختبار: النقص والابتلاءات
ويأتي الاختبار أحيانًا بصورة فردية أو جماعية. والصورة الأولى من الاختبار هي النقص في الجسد أو النفس. من مرض أو فقر أو بيئة غير آمنة وخلافه. وينظر الله فيه مدى صبرك على هذه الابتلاءات. قال تعالى:
( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)
الاختبار في الشهوات
والصورة الثانية هي الاختبار في الشهوات ومدى الانزلاق في المحرمات منها. قال تعالى:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)
الاختبار بالزيادة والرخاء
والصورة الثالثة تكون بالزيادة عكس النقصان الذي يُغري بالعلو والفساد. وينظر الله فيه مدى تصرفك فيه. قال تعالى:
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)
خاتمة الاختبار ودروس الأنبياء
وطبعًا كما قلنا لا يتسع المقام هنا لشرح كل نوع تحديدًا والاستفاضة فيه. وإما أن ينجح الإنسان في الاختبار أو يفشل. وكل نبي من الأنبياء كان به ابتلاء بصورة من هذه الصور. حتى يكون حجة على الإنسان يوم القيامة. وأن إنسانًا مثله اختُبر بنفس الاختبار أو أشد ونجح فيه. قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم:
"أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة."
الاختبار الجماعي: قصة أصحاب الأخدود
والاختبار إما أن يكون فرديًا على مستوى الفرد نفسه أو جماعيًا. والاختبار الجماعي كما حدث مع أصحاب الأخدود. قال تعالى عن أصحاب الأخدود:
(قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ )
وهو اختبار جماعي شديد القسوة بإلقاء آلاف من المؤمنين في أخدود من النار. ليختبر الله من سيؤمن ومن سيكفر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
(أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء)
الطوفان الأقصى: اختبار جماعي مزدوج
لكن أكبر اختبار جماعي في التاريخ، وهو اختبار جماعي مزدوج الاتجاه (دبل كيك)، بدأ مع طوفان الأقصى من 7 أكتوبر 2023 حتى الآن. الاتجاه الأول وهو أشبه بمن حُرقوا في الأخدود من المؤمنين. وهنا يمثلهم الصابرون من أهل غزة وفلسطين. أما الاتجاه الثاني من الاختبار فهو موجه لعدد 2 مليار مسلم. ماذا فعلوا تجاه إخوانهم لإنقاذهم من القتل والتشريد؟ وقد يكون هذا الاختبار الجماعي به كل صور الاختبارات معًا. وكل إنسان مسؤول أمام الله ماذا فعل في هذا الاختبار. وهو شرط حدده الله لدخول الجنة كما أسلفنا سابقًا. وهو اختبار ليس بالسهل.
دخول الجنة ومشقة الاختبار
قال تعالى:
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)
التضحية وفلسفة الاختبار
ولعل فلسفة الاختبار تتمحور حول التضحية بالمحبوبات. وهو ما جسده سيدنا إبراهيم عندما أمره الله بذبح إسماعيل ابنه عليهما السلام. وهو ما أصبح لنا عيدنا فيما بعد للتذكرة بفلسفة الاختبار. وليس بالطبع الهدف منه الذبح أو اللهو في إجازات العيد.
دمتم على خير، ونراكم في الحلقة القادمة.
🔗 أجزاء سلسلة "الهرم المقلوب"
- الجزء الأول: صورة تخيلية
- الجزء الثاني: اكبر اختبار جماعي في التاريخ2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الثالث: مخبا القيامة
