الجزء الثاني: لماذا بدأت القصة من بابل؟ | رقعة الشطرنج الأخيرة


شفرة هرمجدون.. من نبوءات بابل إلى المسيح المنتظر | رقعة الشطرنج الأخيرة (2)
أهلاً وسهلاً بحضراتكم.
قطعة جديدة من الأحجية
توقفنا في الحلقة السابقة عند أول قطعة من البازل أو قطع الأحجية لفهم الصورة الكلية لما يحدث حولنا. واليوم سنضع قطعة أخرى من قطع الأحجية. علّنا نقترب أكثر من رؤية المشهد الكامل.
خريطة أقمار الدم ورجس الخراب
الصورة التي تشاهدونها الآن أمامكم تُعرف باسم: خريطة أقمار الدم ورجس الخراب. وقد ظهرت في المواقع المسيحية الصهيونية الإنجيلية في الولايات المتحدة منذ عام 2008.
الصهيونية المسيحية: تعريف وتأثير
باختصار شديد، فإن الصهيونية المسيحية هي تيار ديني وسياسي نشأ أساسًا بين البروتستانت الإنجيليين. ويؤمن بوجوب دعم دولة إسرائيل باعتبارها شرطًا لتحقيق نبوءات الكتاب المقدس وعودة المسيح المنتظرة. ولهذا تدعم هذه الحركة الاستيطان والسياسات الإسرائيلية بدافع ديني. وأصبحت مع الوقت لوبي مؤثرًا جداً داخل الولايات المتحدة للدفاع عن إسرائيل. بل إن بعض أنصار هذا التيار يرون أن الحروب الكبرى وحتى الإبادة الجماعية (مثلما يحدث الآن في غزة) قد تكون جزءًا من الخطة الإلهية المزعومة لتحقيق هذه النبوءات. والمتأمل للمشهد يرى بوضوح أن هذه العقيدة تسيطر اليوم على أعلى مناصب صنع القرار. من رأس الإدارة الأمريكية، إلى وزارة الدفاع، وصولاً إلى سفيرهم بإسرائيل القس (مايك هاكابي).
دلالات الخريطة: ليست مجرد رموز
لكن الصورة التي ترونها أمامكم الآن ليست مجرد رموز عشوائية أو رسومات بلا معنى. ولسنا اليوم بصدد تفكيك كل رموز هذه الخريطة بالتفصيل، لأن ذلك ربما سيستغرق وقتًا طويلًا. لكننا سنحاول أن ننظر إليها بنظرة سريعة لنفهم ملامحها العامة.
"الجيل الأخير – سبعون عاماً": نبوءة العمر
وكما يظهر في هذه الخريطة، هناك قوس كبير في الأسفل يحمل عبارة: الجيل الأخير – سبعون عاماً. ويمتد هذا القوس من عام 1948، وهو العام الذي أُعلنت فيه دولة إسرائيل، إلى عام 2018، وهو العام الذي يمثل مرور سبعين عامًا على قيامها. وهذا يعكس اعتقادًا لدى بعض التيارات الإنجيلية بأن الجيل الذي شهد قيام إسرائيل لن يمضي حتى تحدث أحداث النهاية الكبرى.
المزامير التوراتية ورموزها
نجد كذلك في الخريطة إشارات إلى بعض المزامير التوراتية المرتبطة بهذه الأحداث. فالمزمور 48 يظهر عند عام 1948، ويرمز لديهم إلى تأسيس الدولة. بينما يظهر المزمور 118 قرب عام 2018، ويرمز لديهم إلى الانتصار النهائي في الحرب الكبرى.
العقد الثامن: امتداد للتوقعات
لكن في المقابل، هناك من يرى أن الأمر قد لا يرتبط فقط بعقد السبعين عامًا، بل قد يمتد إلى ما يسمى العقد الثامن. أي أن هذه المرحلة قد تمتد إلى ثمانين عامًا، بدل سبعين. وهو ما يجعل بعضهم يتوقع أن الذروة قد تكون حول عام 2028.
هرمجدون: المعركة الكبرى
وعند النقطة القريبة من عام 2018 في هذه الخريطة، نرى مجموعة من الرموز اللافتة: علم إسرائيل، وطائرات مقاتلة، وانفجار ضخم، وكلمة واحدة كُتبت بوضوح: هرمجدون. وهرمجدون في العقيدة المسيحية تعني المعركة النهائية الكبرى التي تسبق نهاية العالم. وهي ما يمكن أن نسميه – بلغة عصرنا – الحرب العالمية الثالثة. أما في التراث الإسلامي، فقد وردت إشارات قريبة من ذلك فيما يعرف بـ الملحمة الكبرى. التي أخبر عنها النبي محمد ﷺ. وهي الهدف الأسمى عند جماعة المتنورين الذين يحكمون العالم في الظل. هي أكبر مقتلة منتظرة في التاريخ. وكيف سيموت فيها أعداد هائلة وربما سيموت فيها ثلثي المسلمين كما تخبرنا بعض الروايات والأحاديث. أو كما قال هنري كيسنجر يومًا، عراب السياسة الأمريكية: "من لم يسمع طبول الحرب فهو أصم".
المسيح المنتظر والهيكل المزعوم
وفي الخريطة يظهر بعد عام 2018 رمز لرجل يجلس داخل الهيكل. وهو ما يرمز – بحسب تفسيرهم – إلى المسيح المنتظر لديهم. وسنحاول لاحقًا أن نفهم: من هو هذا المسيح الذي ينتظرونه؟ وما قصة الهيكل الذي يسعون لإقامته؟
"من الصلاح تنفيذ نبوءات الرب": المبدأ الخطير
وكما تلاحظون، الخريطة ليست مجرد قراءة للغيب، بل هي "مخطط". فقد تحقق الكثير من رموزها بالفعل، كالثورات العربية في 2011 والأناركية (الفوضى) الظاهرة في الخريطة. هم يتبنون مبدأ خطيرًا: "من الصلاح تنفيذ نبوءات الرب". بمعنى، إذا كانت هناك نبوءة، فعلينا نحن تنفيذ مقدماتها بأيدينا حتى تتحقق، وليس الانتظار حتى تتحقق من تلقاء نفسها!
العودة إلى التاريخ: مملكة إسرائيل الموحدة
وحتى نفهم النبوءات يجب أن نعود قليلًا إلى التاريخ. سنجد أن ما يسمى مملكة إسرائيل الموحدة في عهد النبيين داود وسليمان عليهما السلام لم تستمر طويلًا. فقد حكم داود عليه السلام حوالي أربعين سنة، بينها سبع سنوات في حبرون وثلاث وثلاثون سنة في أورشليم. ثم جاء بعده سليمان عليه السلام، وحكم هو الآخر قرابة أربعين عامًا. أي أن عمر تلك المملكة لم يتجاوز تقريبًا ثمانين عامًا. ومن هنا ظهرت لدى بعضهم فكرة العقد الثامن، وأن الدولة التي تقوم قد لا يتجاوز عمرها ثمانين عامًا.
غضب إلهي وانحراف بني إسرائيل
بعد عهد سليمان عليه السلام، غضب الله على بني إسرائيل نتيجة انحرافهم عن دين الحق، وارتدادهم، وفسادهم في الأرض. حتى أنهم اتهموا نبي الله سليمان بالكفر والسحر للتحكم في المخلوقات والجن. فبرأه الله من هذه التهمة الباطلة. قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
السبي البابلي ونبوءات دانيال
وبسبب انحرافهم عن الحق، سُلب منهم الوعد الإلهي، وسُلّط عليهم الأعداء، وتفرقوا في الأرض. وضُربت عليهم الذلة والمسكنة، وحُرموا من الأرض المقدسة جزاءً لنقضهم مواثيق الله. وكان من أبرز هذه الأحداث ما يعرف في التاريخ بـ السبي البابلي. ففي القرن السادس قبل الميلاد، شن الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني حملات عسكرية على مملكة يهوذا. وحاصر أورشليم – القدس – ودمر الهيكل، وهدم أسوار المدينة، وساق آلافًا من سكانها أسرى إلى بابل. وذلك بعد تمرد ملك يهوذا وخيانته للعهود. وخلال تلك الفترة في بابل، بعث الله لهم النبي دانيال عليه السلام. وقد ارتبط اسم دانيال بنبوءات عديدة وردت في سفر دانيال، خصوصًا في الأصحاحين السابع والتاسع. حيث تحدث عن تعاقب أربع ممالك كبرى في التاريخ: بابل، وفارس، واليونان، ثم الرومان. وذلك قبل مجيء المملكة الإلهية. وحتمية نهاية السبي، وموعد مجيء "المسيح المخلص" لهم، وقيام دولتهم من جديد.
رفض اليهود لعيسى عليه السلام
ولقد أوفى الله بوعده لهم فعلًا، وأرسل لهم النبي عيسى عليه السلام بعد 600 سنة تقريبًا. لكن ماذا فعل اليهود؟ اتهموه بالهرطقة وتخريب الديانة، وادعوا أنه يجدف على الله، فرفضوه كمسيح منتظر، وطالبوا بصلبه! ويدعون اليوم أنهم صلبوه وقتلوه، لكن الحقيقة أن الله رفعه إليه. قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. فالله سبحانه وتعالى رفع عيسى إليه، ولم يتمكنوا من قتله أو صلبه.
استمرار انتظار المسيح والهيكل الثالث
ومنذ ذلك الحين، ما زال كثير من اليهود ينتظرون المسيح المخلص. وهو ما يظهر في نهاية خريطتهم (بعد عام 2018) رجل قابع في الهيكل كما ذكرنا. فمن هو هذا المسيح الذي ينتظرونه؟ وما قصة الهيكل الثالث الذي يسعون إلى بنائه؟ ولماذا يعتبرونه شرطًا أساسيًا لبدء أحداث النهاية؟ هذا ما سنحاول أن نفك شفراته في الحلقات القادمة.
ختام
وتابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "رقعة الشطرنج الأخيرة"
- الجزء الأول: أول حجر دومينو
- **الجزء الثاني: لماذا بدأت القصة من بابل؟**2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الثالث: شفرة الهيكل
- الجزء الرابع: معادلة الإسراء
- الجزء الخامس: لماذا لا تتطابق التفسيرات ؟
- الجزء السادس: التاريخ الخفي؟
