فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء الخامس: لماذا لا تتطابق التفسيرات ؟ | رقعة الشطرنج الأخيرة

Cover Image for الجزء الخامس: لماذا لا تتطابق التفسيرات ؟ | رقعة الشطرنج الأخيرة
أحمد شاكر
أحمد شاكر

معادلة الإسراء… لماذا لا تتطابق التفسيرات ؟ | رقعة الشطرنج الأخيرة (5)

أهلاً وسهلاً بحضراتكم.

مقدمة: سر البقعة المقدسة

استكمالًا لما توقفنا عنده من الإفسادَين والعقابَين الرادعَين لبني إسرائيل. ربما هناك سؤالٌ يطرح نفسه ابتداءً. لماذا هذه البقعة الجغرافية الصغيرة جدًا من كوكب الأرض؟ لماذا تُسفك الدماء، وتُحاك المؤامرات، وتُجهَّز الجيوش منذ آلاف السنين للسيطرة على هذه الكيلومترات المعدودة؟ السر يكمن في "التخطيط الإلهي" وتصميم رقعة الشطرنج.

المحور الأول: خريطة الأرض المقدسة

يفرّق القرآن الكريم بدقة لافتة بين "الأرض الحرام" و"الأرض المقدسة". فمكة صُمِّمت لتكون "الملاذ الآمن"، ونقطة السلام المطلق. حرَّم الله فيها القتال وسفك الدماء، بل وحتى قطع الشجر، وجعلها حرمًا آمنًا.

أما القدس وما حولها، فقد جُعلت أرض التدافع والابتلاء. هي مقياس صعود الأمة وهبوطها. وهي ميدان الصراع الفاصل، وأرض المحشر والمنشر. ولذلك لم تُجعل حرمًا آمنًا.

عندما نقرأ قوله تعالى على لسان موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فكلمة "مقدسة" هنا تعني: المطهَّرة.

هي مقدسة من الله. مطهَّرة برسالات الأنبياء، ومطهِّرة للمؤمنين بالابتلاء والرباط.

ويرسم القرآن خريطتها بدقة:

  • المركز: هو المسجد الأقصى.
  • والمحيط المبارك: بلاد الشام التي حول المنطقة المقدسة.

كما في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بركة حسية في الأرض والثمر، وبركة معنوية بارتباطها بالوحي والتاريخ.

المحور الثاني: معادلة الإسراء و(الإفسادتان)

ولأن هذه الأرض هي مسرح التدافع الأخير، وضع الله لنا في سورة الإسراء معادلة الصراع.

قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ كما هو واضح من الآيات الدقيقة: إفسادان لبني إسرائيل، وعلوّان كبيران (وإذا قال الكبير سبحانه وتعالى عن شيء أنه كبير، فهو علو كبير حقاً).

فماذا سيحدث بعد الإفسادة الأولى؟ قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ عقاب رادع بعد الإفسادة الأولى.

النص القرآني هنا دقيق جدًا في ترتيب الأحداث.

المحور الثالث: التفسيرات بين الماضي والحاضر

دعونا نقف هنا قليلاً نستعرض بهدوء بعض آراء المفسرين المختلفة حول هذه الآيات.

1️⃣ المفسرون القدامى

  • المفسرون القدامى: قالوا إن هذين الإفسادَين قد حدثا بالفعل في الماضي وانتهيا قبل نزول القرآن. واختلفوا في زمانهما. فقال البعض إن الأولى كانت (السبي البابلي) على يد البابليين، والثانية كانت على يد (الرومان) في عام 70 ميلادية (كما شرحنا هذا التاريخ سابقاً بالتفصيل). وهم معذورون؛ لأن الصورة لم تكن مكتملة في زمانهم.

  • أما المحدثون فانقسموا: بعضهم قال إن الإفسادة الأولى انتهت في الماضي السحيق على يد البابليين، أما الثانية فهي الواقع الذي نعيش فيه الآن منذ سنة 1948. كما شرحنا سابقاً. والبعض الآخر قال إن الإفسادة الأولى هي إفساد اليهود أيام النبي ﷺ في المدينة، والثانية هي ما نعيشه اليوم. حيث خاض النبي ﷺ مع يهود المدينة وحولها أربع صراعات رئيسية (غزوة بني قينقاع، بني النضير، بني قريظة، ثم غزوة خيبر). ثم طرد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما تبقى منهم من جزيرة العرب. وتُوِّج ذلك بفتح بيت المقدس في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه.

المحور الرابع: الإشكاليات الخمسة

يبدو هذا جيداً. لكن، عند اختبار هذه التفسيرات على النص القرآني، تظهر بعض الإشكاليات.

الإشكالية الأولى: (عبادًا لنا)

قال تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا﴾ لفظ "عباد" في القرآن غالبًا ما يُستخدم للمؤمنين المقرّبين، كما في قوله تعالى "عباد الرحمن". بخلاف كلمة "عبيد" التي تطلق على الكل. بينما البابليون مثلًا كانوا وثنيين.

الإشكالية الثانية (وحدة الضمير)

قال تعالى بعد الإفسادة الأولى: [تقرأ بصوتك الوثائقي]:

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾

نلاحظ هنا الضمير في القرآن واحد وعائد على نفس القوم! الذين سيجابهون بني إسرائيل في المرة الأولى، هم أنفسهم من سيجابهونهم في المرة الثانية. يقول الله مخاطباً بني إسرائيل: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾. أي عودة علو بني إسرائيل على هؤلاء القوم أنفسهم مرة أخرى. فإذا كان البابليون أو الرومان هم من دمروا اليهود قديماً، فهل انتصر اليهود بعدها على البابليين والرومان ؟ هذا لم يحدث. لم ينتصر بنو إسرائيل على البابليين أو الرومان بعد هزيمتهم في أصح الأقوال.

الإشكالية الثالثة (دخول المسجد)

قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾

في جملة ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. ربط البعض أن الدخول الأول للمسجد هو إشارة إلى فتح بيت المقدس في عصر سيدنا عمر بن الخطاب، أو في عصر صلاح الدين الأيوبي. لكن هذا غير دقيق تاريخياً! لأنه في عهد عمر، وكذلك في عهد صلاح الدين، لم يكن اليهود (بنو إسرائيل) هم من يحكمون بيت المقدس أصلاً، بل كان الرومان والصليبيون! فلا علاقة لبني إسرائيل بموضوع الفتح الأول أو الثاني كطرف متحكم في المسجد.

ناهيك عن أن صراع النبي ﷺ مع اليهود كان في مسرح جغرافي مختلف تماماً (المدينة وخيبر)، فلا يوجد سياق واحد لجمع الحدثين (المدينة والقدس) في معادلة دخول المسجد! ومن هنا لا ينطبق السياق بدقة. فمن هنا العلو الأول والثاني يجب أن يكون مرتبطاً ببني إسرائيل في بقعة جغرافية محددة ومكان واحد، وهو (المسجد الأقصى والأرض المقدسة)، وليس في المدينة أو خيبر.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، لا يوجد نص صريح عن الصحابة يربط الآيات بغزوات النبي ﷺ. وهم بالطبع عاشوا هذه الفترة.

الإشكالية الرابعة (الزمن)

يقول الله تعالى عن الإفسادة الأولى ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ أي انتهى وتحقق. لكن في الثانية لم يقل "الوعد الثاني" أو "الوعد الآخر"، بل قال بدقة ﴿وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾! وهو مصطلح قرآني يشير بوضوح إلى الفساد الأخير لهم الذي لن يكون بعده إفساد آخر. وهو مصطلح قرآني يشير إلى النهاية الكبرى أو آخر الزمان والمنعطف الأخير للتاريخ. وليس مجرد حدث تاريخي عابر.

وقال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ هذا قانون إلهي دائم: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ﴾. قانون إلهي بالعقاب لهم طالما عادوا للفساد.

الخلاصة: الحاجة إلى تفسير جديد

نحن أمام نص قرآني بالغ الدقة، لا تتطابق تفاصيله الكاملة مع أي تفسير تاريخي بشكل تام.

  • الضمائر لا تنطبق.
  • الجغرافيا لا تتطابق.
  • التسلسل الزمني مختلف.
  • والمصطلحات تشير إلى نهاية كبرى.

فما هو التفسير الذي يجمع كل هذه العناصر في معادلة واحدة؟ وكيف يمكن إسقاط هذه الآيات على واقعنا اليوم بدقة؟ هذا ما سوف نحاول تفكيكه خطوة بخطوة. وتابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "رقعة الشطرنج الأخيرة"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب