الجزء الثالث: روندا بايرن في مواجهة القلم | أسرار العلم من الكتاب


أسرار العلم من الكتاب: مراجعة نقدية لكتاب "السر" ومفهوم القدر
كتاب السر: قانون الجذب وانتشاره
استكمالًا لموضوع "أسرار العلم من الكتاب"، توقفنا عند استعراض كتاب "السر". إن الكون مليء بالأسرار. قد تكون روندا بايرن أول من اكتشف "السر" في كتابها الذي بيع منه ما يزيد عن 21 مليون نسخة، وتُرجم إلى 44 لغة.
مفهوم قانون الجذب وأثره
السر، كما تقول المؤلفة، هو قانون الجذب. إنه قانون طبيعي يحدد النظام الكامل للكون وحياتنا الشخصية. هذا يعني أننا كلما فكرنا وشعرنا، يتم إرسال "تردد" يخرج إلى الكون. الكون بدوره يجذب إلينا الأحداث والظروف على نفس ذلك التردد.
تطبيق قانون الجذب على قصة عرش بلقيس
على هذا الأساس، هل يمكن أن يكون الذي عنده علم من الكتاب قد استخدم هذا السر؟ هل أرسل ترددًا إلى الكون، والكون جذب له طلبه بنقل عرش بلقيس؟
الجانب المقبول: التفاؤل والتفكير الإيجابي
بين معارض ومؤيد للكتاب، نقول إنه إذا اقتصر الكتاب على التفاؤل والدعوة إلى التفكير الإيجابي، فإن هذا مقبول. إذا كانت نتائجه المرغوب فيها مثل الصحة والثروة والسعادة يمكن أن تُجتذب بمجرد تغيير الأفكار والمشاعر، فهذا يتوافق مع الحكمة الشهيرة: "تفاءلوا بالخير تجدوه".
الانتقادات: الخلط بين العلم والفانتازيا
لكن في واقع الأمر، الكتاب مليء بالهراء. هو يخلط بين الأفكار والأحاسيس، وبين العلم وميكانيكا الكم. الكتاب يجعل العلم فانتازيا كأليس في بلاد العجائب.
خطر الشرك الخفي في كتاب السر
لكن أخطر ما في الموضوع هو الشرك بالله الخفي الذي غاب حتى عن بعض علماء المسلمين عند نقدهم للكتاب. من ذلك قول المؤلفة، على سبيل المثال: "أي شيءٍ نركز عليه فإننا نخلقه". لا شك أن هذا انحراف كبير. كما يدعو الكتاب إلى التعلق بالكون رغبةً وسؤالًا وطلبًا، بدلًا من تعلق القلوب بالله سبحانه وتعالى. وفقًا للكتاب، إذا أردت شيئًا، فما عليك إلا أن تتوجه بطلبك للكون، والكون سيلبي طلبك ولا بد.
نقض الأفكار: حقيقة الابتلاء ومحدودية البشر
بناءً على هذا الهراء، يمكن القول بأن الذي عنده علم من الكتاب كان قد طلب من الكون، والكون نفذ طلبه بنقل عرش بلقيس. وعليه، فأي شخص بنفس الطريقة قادر على نقل عرش بلقيس في أقل من ثانية. كما يمكن للعالم كله أن يصبح في كامل الصحة والثروة والسعادة، ويتخلص من كل الشقاء بطرفة عين. لكن، طبعًا، هذا محال. لأن من أساسيات الكون والخلق هو الابتلاء.
حكم الكون: القلم والقدر المكتوب
في مواجهة هذه الأفكار، يبرز دور القلم. إن أول شيء خلقه الله تعالى هو القلم، وأمره أن يكتب كل شيء يكون من الأحداث والمحدثات. فالكون محكوم تمامًا بالقلم والقدر المكتوب. ليس كل ما يتمناه الإنسان يدركه، كما ادعت روندا بايرن.
نشأة الكون: نظرية الانفجار العظيم وقِدَمُ الله
الكون له بداية، وقبله كان العدم. لم يكن غير الله. هذا ما تؤكده نظرية الانفجار الكبير (Big Bang). النظرية تقول إن الكون كان يومًا جزءًا واحدًا عند نشأته، في حجم بيضة أو أصغر. كان في حالة شديدة الحرارة والكثافة، ثم انفجر وتمدد حسب ميكانيكا الكم. بعض التقديرات الحديثة تُقدّر حدوث تلك اللحظة بحوالي 14 مليار سنة مضت، والذي يُعتبر عمر الكون. هذه النظرية تعارض الفكرة القديمة التي ظهرت مع بداية القرن التاسع عشر، وهي فكرة أزلية الكون. هذه الفكرة روج لها الملحدون، ورفضوا النظرية السابقة؛ لأن لو كان للكون بداية، لَاقتضى ذلك أنه مخلوق.
الأدلة النبوية على خلق القلم والكون
كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه. في صحيح البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض". وفي الحديث: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". رواه أبو داود. وفي حديث آخر: "إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون".
كلمات الله: عمق لا يدرك
من هنا، كتب القلم كل كلمات الله. قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فكلمات الله لا حدود لها.
الكتب الإلهية: أم الكتاب واللوح المحفوظ
من الكلمات جاءت الكتب. قال تعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾. وقال تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾. كتب الله متعددة، وفيها يتم المحو والتثبيت، كالكتب الدنيوية. كمثال على ذلك حديث النبي عن تعارك الدعاء مع القدر. أما أم الكتاب، فلا محو فيها ولا تبديل. سيأتي في حينه، إن شاء الله، تفصيل كتب الله، وما الفرق بين الكتاب والقرآن، وتفضيل الله لبعض عباده بالعلم من بعض الكتب.
الخاتمة: استشراف العلم في حد ذاته
استكمالًا لموضوع العلم من الكتاب، ندخل في التصنيف الثاني وهو العلم في حد ذاته. دمتم على خير، وتابعونا في الفصل التالي إن شاء الله.
لمشاهدة جميع الأجزاء معًا اضغط على الرابط
🔗 أجزاء سلسلة "أسرار العلم من الكتاب"
- الجزء الأول: في مواجهة العفريت
- الجزء الثاني: برخيا في مواجهة أينشتاين
- الجزء الثالث: روندا بايرن في مواجهة القلم2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الرابع: يوشع بن نون
- الجزء الخامس: الخواص في مواجهة جوجل
- الجزء السادس: يوسف في مواجهة نوستراداموس
- الجزء السابع: يوسف في مواجهة الجن
