الجزء السادس | انا والآخر ( إشكالية العقل والنقل )


أنا والآخر: إشكالية العقل والنقل (الجزء السادس - رؤية أحمد شاكر)
اللصوص تتكلم بفقه المالكية
في العقود الأولى من الدين الإسلامي، لم ينتشر العلم كثيراً أو يتم تأسيسه بمنهجية علمية واضحة. لأن الصحابة والتابعين انشغلوا بالجهاد والفتوحات الإسلامية. وكان خالد ابن الوليد لا يحفظ إلا ثلاث سور قصيرة.
لأنهم علموا أن ذروة السنام هي الجهاد في سبيله. وليس الصلاة بالمسجد الحرام التي تعدل مئة ألف صلاة فيما سواها. أو بالمسجد النبوي التي تعادل ألف صلاة.
لكن لما امتدت الفتوحات واستراح الناس، ظهر عصر المذاهب الفقهية في أوائل القرن الثاني الهجري. في ظل الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية. حيث ظهرت المذاهب الكبرى كالمذهب الحنفي الذي أسسه أبو حنيفة النعمان في عام 120 هجرية. ثم تبعته المذاهب الأخرى كالمذهب المالكي والشافعي والحنبلي.
والفرق واضح بين مقاولي الدين ومهندسي الدين. الأول يحتاج إلى المجهود والحركة، ولا وقت للقراءة أو التمحيص. والثاني يحتاج عقوداً طويلة من التفرغ للقراءة والدراسة.
لكن انتشر العلم فيما بعد بشكل كبير. وبدأ الكل يتكلم فيه حتى أصبحت اللصوص تتكلم بفقه المالكية وغيره. ومن هنا ابتعد العلم عن مقصوده الأساسي. وأصبح الكلام من أجل الكلام فقط.
فظهر كردة فعل قوية في القرن الثالث الهجري الجنيد البغدادي في بغداد. والذي يعتبر شيخ مذهب التصوف. ووضع أسسه القائمة على الالتزام بالشريعة.
والفكرة العامة هي أن قلب المؤمن هو الأهم من العلم نفسه. وهو رمانة الميزان في دخول الجنة وليس العلم. كما قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". ومن هنا نشأ هذا الاتجاه للتركيز على القلوب.
أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل: (أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: عالم ومجاهد وغني). وذلك لعدم تصحيح النيات. والتي مركزها القلوب.
أو كما جاء في الحديث: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". فأصبح جهد هذا الاتجاه مركزاً على القلوب في المقام الأول.
لكن طبعاً لا يخلو أي موضوع، كما قلنا، إلا وله الاتجاه المضاد. وأصبح يجابه هذا الاتجاه حملات من التكفير. وكما قلت، ليس مجال هذا المبحث نقد أو تعضيد أي اتجاه، أو ما له وما عليه. فذلك قد يتطلب مجلدات كاملة. لكن نحلل أسباب نشوء أي اتجاه فكري، وأسباب الاختلاف الفكري، وكيف نحل الاشتباك.
حرب الثلاثين عامًا
هل ممكن أن يؤدي الخلاف في الرأي إلى الحروب وسفك الدماء؟ نعم بالتأكيد. ولهذا، أول ما علق عليه الملائكة حين خلق الله آدم هو الحروب وسفك الدماء. وهي سنة من خلق آدم إلى قيام الساعة. وهي الحروب وسفك الدماء.
كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
تابعونا في الجزء التالي.
🔗 أجزاء سلسلة "انا والآخر ( إشكالية العقل والنقل )"
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء السابع
- الجزء الثامن
- الجزء التاسع
- الجزء العاشر
- الجزء 11
- الجزء 12
- الجزء 13
