الجزء الأول: طالوت | عندما يختار الله الحاكم


عندما يختار الله الحاكم فمن يكون؟
مقدمة: صراع الحكم والبحث عن الحاكم
إبان الثورات العربية، أو ما يُسمى بالربيع العربي، تصاعد صراع الطوائف المختلفة على الحكم. ما زال هذا الصراع مستمراً حتى الآن. وكلٌّ له أسلحته الخاصة، سواء المنطقية أو الدينية، ليدافع بها عن أهليته للحكم. ظللتُ باحثاً في كتاب الله عن نُظم الحكم، وأهلية ومواصفات الشخص المفترض أن يحكم. بعيداً عن أي صراعات دموية أو تحليلات سياسية للأحداث المختلفة؛ لأنها الوجه ذو الألف وجه. سنتناول هنا موضوعات مبنية على نظرات من القرآن الكريم. وعلى الحجج المنطقية، والمدارس الفلسفية، والبراهين الدينية فقط.
مثال:
- ما هي مواصفات الحاكم؟
- وما هو الفارق بين أهداف الدين والسياسة؟
- وما هي نظم الحكم في القرآن؟
وغيرها من المباحث التي قد تستوعب في مجلدات كاملة. وسأكون مختصراً قدر المستطاع، لأن خير الكلام ما قل ودل.
الصلاح والسياسة: معضلة تشرشل
أول ما تذكرته حينها مقولة تشرشل حين مرَّ على قبر مكتوب على شاهده: "هنا يرقد الرجل الصالح والسياسي القدير مستر كذا". فعلق ساخراً كعادته: "أول مرة أجد قبراً واحداً به شخصان". يقصد بذلك ألا يجتمع الصلاح مع السياسة. وكلامه إلى حد كبير صحيح، لأن السياسة هي الوجه ذو الألف وجه. اختصاراً، صعوبة تحقيق ذلك كصعوبة وضع الجمل في سم الخياط، إن صح التعبير. لكن التاريخ به ومضات من هؤلاء الأشخاص.
نظرة قرآنية: طلب الملك من بني إسرائيل
وحينما كنت أقرأ سورة البقرة، توقفت مليًّا عند قوله تعالى:
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ"
خلفية تاريخية: صراعات بني إسرائيل وطلب الملك
ظل بنو إسرائيل بعد مجيئهم إلى فلسطين مدة. ثم تعرضوا في تلك الفترة لغزوات الأمم القريبة منهم؛ كالعماليق والآراميين وغيرهم. فمرة يَغْلبون وتارة يُغْلبون. وقد كان العبرانيون في حرب مع جالوت وجيشه. فغلبهم جالوت، وأخذ تابوت العهد منهم. وهو التابوت (الصندوق) الذي فيه التوراة أي الشريعة. فعزَّ عليهم ذلك، لأنهم كانوا يستنصرون به. وعندما طلبت بنو إسرائيل من نبيهم صموئيل ملكاً من بعد موسى، يجتمعون تحت قيادته ويقاتلون أعداءهم في سبيل الله، حذرهم نبيهم إن فُرِضَ عليهم القتال في سبيل الله أنهم لا يقاتلون.
مؤهلات القيادة: صلاح النبي وحده لا يكفي
لكن ما لم يذكره أحد أنه كان من المفترض هنا أن يكون قائدهم في هذه المعركة هو نبيهم صموئيل الذي بين أيديهم. فهو أتقاهم وأعلمهم وموحىً إليه من الله. فأي قائد أفضل منه؟ وهذه أول إشارة من القرآن أن صلاح الشخص فقط وتقواه، حتى وإن كان نبياً، فهو غير مؤهل للقيادة. فمؤهلات القيادة والحكم عدة عوامل يجب أن تجتمع في الشخص الواحد.
اختيار طالوت: معايير إلهية للقيادة
ثم قال تعالى:
"وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"
تحليل اختيار طالوت: الصلاح وبسطة العلم
وبعدها يخبرهم نبيهم، وهو موحىً إليه من الله، أن الله قد اختار لهم طالوت. ولم يرضوا به ابتداءً؛ لأنه كان فقيراً، وطمعوا في أن يكون أحد أشرافهم هو الملك. لكن الله قد اختاره. ونقف هنا عند مواصفات اختيار الله للحاكم. نجد أنه أولاً مُصطفى من الله؛ أي لتقواه وصلاحه. وهي ابتداءً يجب أن تكون أول صفة في الحاكم، لكن لا تصلح وحدها كما أشرنا. ثانياً: زاده الله بسطة في العلم. وسنقف هنا جليًّا عند "بسطة العلم".
فهم "بسطة العلم": الفرق بين الخبير والعبقري
وبسطة العلم غير العلم. فأساطين العلم، وهم العباقرة، لهم وضع مختلف في الهندسة الاجتماعية. ولا يصلحون أصلاً لإدارة شؤون حياتهم، فما بالك بالقيادة. ومن ضمن من تطرق إلى تفكير هؤلاء العباقرة والقادة والتفكير الإبداعي هو إدوارد دي بونو في كتابه الرائع "التفكير الجانبي". موضحاً الفرق بين العبقري والخبير. فالخبير يكون تفكيره رأسياً منطقياً يحفر حفرة رأسية تزداد عمقاً مع الزمن. أما العبقري فتفكيره من نوع التفكير الجانبي، أي يحفر حفراً جانبية متعددة وليست حفرة واحدة حتى يصل إلى مبتغاه. أما بسطة العلم فهي تعني كلا النوعين مندمجين معاً. فالخبير هو القابع تحت الشجرة يدقق في تفاصيل أوراق الشجر. أما من له عين الطائر فترى تضاريس الأرض كلها بمدى أوسع بكثير من الخبير ومن أعلى وأسفل معاً، هو ما يُسمى "بسطة العلم". فإذا غصت في البحر فسترى جمال الأعماق. أما إذا نظرت من أعلى فستجد بسطة البحر. ومعاً هو بسطة العلم.
تحدي اكتشاف القادة وبسطة العلم
لذا فهؤلاء الأشخاص المميزون المؤهلون للقيادة صعب اكتشافهم. فقد تجدهم غير ناجحين في الدراسة، ومقياس الذكاء IQ لا يتعرف عليهم. وأغلبهم يفشل في العمل الاجتماعي التقليدي. وغالباً ما يفشل في النظم الاجتماعية اثنان: المميز والمأفون. وبين النبي الحاكم ومؤهلات أفلاطون، سنكمل في الحلقة القادمة، إن شاء الله. دمتم على خير، وتابعونا في الفصل التالي، إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "عندما يختار الله الحاكم"
- الجزء الأول: طالوت2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الثاني: الفيلسوف
- الجزء الثالث: الديمقراطية
- الجزء الرابع: السادات
