الجزء الثاني: قانون الزوجية | معمارية القران


معمارية القرآن: استكشاف البنية الفريدة
واستكمالاً لموضوع معمارية القرآن، توقفنا في الحلقة السابقة عند المراد من الموضوع، وهو استكشاف البنية المعمارية الفريدة للقرآن الكريم. إن بنية القرآن تتناول كلا عالمي الجسد، ومنها العقل، والروح، ومنها النفس.
القرآن وعطاؤه الممتد
إن التصنيف يحدد القرآن وعطاءه، لكن عطاء القرآن ممتد عبر الزمان والمكان. القرآن كلام الله المسطور، والكون خلق الله المنظور.
القوانين الكونية ونظرية النسبية
عن القوانين التي تحكم الكون خلق الله المنظور، ربما تكون نظرية النسبية أحكم النظريات. لقد أعطت صورة محكمة عن مبادئ الفضاء والوقت والجاذبية، وصورة محكمة عن خلق الله في الكون. وصاحب هذه النظرية هو ألبرت أينشتاين، العالم الفيزيائي صاحب الشهرة التي وازت شهرة نجوم السينما.
ثورة أينشتاين في مفهوم الزمن
قبل أينشتاين، كان يُعتقد أن مرور الوقت لا يتغير حسب قوانين نيوتن. لكن أينشتاين، في عام 1905، حقق ثورة بتغيير جذري في مفهوم الوقت. لقد بين أن الوقت يتغير مع السرعة، وجعل سرعة الضوء هو الثابت الكوني. النسبية تنطبق على الكواكب والأنظمة الشمسية، وتنطبق على كل الأمور.
تحديات أينشتاين وميكانيكا الكم
لكن أينشتاين أصبح يواجه سخرية مهنية في سنواته الأخيرة من حياته، ولأكثر من 30 سنة. وذلك لفشله في نظرية كل شيء. ويعود هذا لعدم اقتناعه بميكانيكا الكم، التي أسماها "شيطان أينشتاين".
ميكانيكا الكم ومبدأ عدم التأكد
ميكانيكا الكم هي الحقل الذي يصف الجسيمات الذرية الفرعية التي تشكل كل شيء. هذه الجسيمات تتصرف بطريقة مختلفة جداً عن كون أينشتاين الأنيق. وكان هذا على يد هايزنبرغ الذي اكتشف أحد أهم مبادئ الفيزياء الحديثة، وهو مبدأ عدم التأكد. فقد قال إنه من المستحيل قياس سرعة جسيم وموقعه في الوقت ذاته. فميكانيكا الكم علم مبني على الاحتمالات، ولم يصدق أينشتاين أن الله خلق الكون بهذه الطريقة.
التناقض بين قواعد أينشتاين وميكانيكا الكم
أصبح لدينا مجموعتان من القواعد للكون: قواعد أينشتاين التي تحكم الأنظمة الشمسية والكواكب، حيث يمكن التنبؤ بكل شيء. وقواعد ميكانيكا الكم التي تصف الجسيمات بواسطة الاحتمالات. وكان من المفترض أن القوانين التي تسري على الأجسام الكبيرة تسري على الأجسام الصغيرة.
مناظرات أينشتاين وبور وفشل نظرية كل شيء
دارت مناظرات عديدة بين أينشتاين ونيلز بور، أحد المدافعين الكبار عن ميكانيكا الكم. دار جدل فلسفي كبير بينهما. كان العالم عند بور لا يمكن التنبؤ به، كرمية النرد. فرد أينشتاين على بور بقوله: "إن الله لا يلعب النرد". لكن رد عليه بور بأن "لا يمكن أن تقول لله ماذا سوف يحدد". فشل العبقري الكبير في إيجاد نظرية كل شيء التي كان من المفترض أن تجمع العالمين معاً. ذلك لأنها تعارضت مع أروع عمل لأينشتاين، وهو النسبية العامة.
صراع أينشتاين الأخير وإنجازات ميكانيكا الكم
ظل أينشتاين في صراع مع ميكانيكا الكم حتى آخر يوم من حياته. وقد اعترف بخطئه ومات دون حل لهذا اللغز. ميكانيكا الكم قادت إلى إنجازات تكنولوجية مذهلة مثل الترانزستور والحاسوب وخلافه. الكل يعتمد على ميكانيكا الكم الآن.
البحث المستمر عن النظرية الموحدة
حتى الآن، يبحث العالم في إيجاد نظرية موحدة لكل القوى، نظرية كل شيء. وإن كان أفضل المحاولات حالياً نظرية تسلسل الطاقة أو الأوتار الفائقة التي تحاول الدمج بين العالمين.
القانون الإلهي: قانون الزوجية
لكن ما لم يفهمه أينشتاين حتى مماته، وباقي العلماء، هو القانون الإلهي: قانون الزوجية.
قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (يس 36)
وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (الشعراء 7)
تفسير قانون الزوجية الكوني
فقانون الزوجية قانون إلهي في الكون كله. الله واحد أحد، أي لا يتجزأ. خلق ما دونه مغايراً لذاته ووحدانيته سبحانه وتعالى. فالكل يحكمه قانون الزوجية إلى ما لا نهاية. مثال ذلك الموجب والسالب في الأرقام: زوجان بينهما تضاد يجمعهما كيان واحد وهو الأرقام، وهذا هو مفهوم الزوجية. وحتى أصغر الجسيمات، فداخل الذرة شحنات موجبة وأخرى سالبة. وحتى الإلكترون له زوج وهو البوزيترون. والذكر والأنثى زوجان بينهما تضاد يجمعهما كيان واحد، وهو الإنسان. وهكذا إلى ما لا نهاية.
الزوجية في المفاهيم المجردة والإنسان
وهكذا في جميع خلق الله، حتى المعاني المجردة مثل الحق والباطل، والخير والشر، إلى آخره. وحتى الشخص الواحد تحكمه قانون الزوجية، سواء كان ذكراً أو أنثى. والزوجان هنا هما الجسد والنفس.
قال تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (التكوير 7)
أي الأرواح رُدت إلى الأجساد فزوجت بها: أي جعلت لها زوجاً. وسوف نفصل لاحقاً الفرق بين الروح والنفس إن شاء الله. فزوج الجسد هو النفس. وهكذا إلى ما لا نهاية.
غياب قانون الزوجية عن أينشتاين
وهذا ما غاب عن أينشتاين وباقي العلماء. إن المادة أيضاً يحكمها قانون الزوجية. فالقانون الذي يسري على الأجسام الكبيرة وتحكمه النسبية مخالف عن القانون الذي يحكم الأجسام الذرية، وهو قانون ميكانيكا الكم.
خلاصة: استمرار الزوجية في الكون ومعمارية القرآن
سيظل هذان العالمان يحكمان الكون. والله يخاطب البشر المكون من الزوجية، لذلك نجد أن مفهوم الزوجية مكون أساسي في معمارية وبنية القرآن.
دمتم على خير، وتابعونا في الفصل التالي إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "معمارية القران"
- الجزء الأول: ما لم يذكر من قبل
- الجزء الثاني: قانون الزوجية2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الثالث: بين العقل والقلب
- الجزء الرابع: الثابت والمتغير
- الجزء الخامس: الجسد والروح والنفس
- الجزء السادس: الاكوان المتوازية
