فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء الأول: لا شرقية ولا غربية | الذكاء الاصطناعي يخلق قرأنا جديدا

Cover Image for الجزء الأول: لا شرقية ولا غربية | الذكاء الاصطناعي يخلق قرأنا جديدا
أحمد شاكر
أحمد شاكر

الذكاء الاصطناعي يخلق قرآنًا جديدًا: رؤية أحمد شاكر (الجزء الأول)

هل آيات القرآن معجزة؟

كنت أحاور صديقًا لي شديد التدين. وفي وسط كلامي، سألته سؤالًا لأثبت له شيئًا معينًا. هل الآية في القرآن معجزة؟ فأجاب فورًا: نعم. ربما حمية كثير من المتدينين تضر الدين من حيث لا يعلمون. لأن مثل آية (قل) في سورة الصمد لا يقوم بها الإعجاز.

تحدي الإعجاز القرآني: ثلاث مراحل

لقد تدرج الله سبحانه وتعالى في تحدي العرب والمشركين للإتيان بمثل القرآن الكريم على ثلاث مراحل. ليبين عجزهم التام بدءًا من التحدي بالكل، ثم الأقل، وصولًا إلى أدنى درجات التحدي بسورة واحدة.

التحدي بالقرآن كله

في هذه المرحلة، تحداهم الله سبحانه وتعالى أن يأتوا بمثل القرآن الكريم كاملًا. قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].

التحدي بعشر سور

لما عجزوا عن الإتيان بمثله كاملًا، خفف الله عنهم التحدي. وطلب منهم الإتيان بعشر سور فقط مفتريات. قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13].

التحدي بسورة واحدة

وهو أهون درجات التحدي. حيث تحداهم الله أن يأتوا بسورة واحدة من مثله. قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23].

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاة سورة قرآنية؟

قد يبدو أن الإتيان بسورة قصيرة سهل أو ممكن. مثل سورة الصمد أو سورة الكافرون. "قل يا أيها الكافرون" أو غيرها من السور القصيرة. وأول ما تبادر إلى ذهني صديقي هو الذكاء الاصطناعي. وأرفقت له هذه المقالة وقلت له: هل يمكنك إنشاء سورة قصيرة ببيان به إعجاز؟

الذكاء الاصطناعي يعلن عجزه

ورد قائلًا: الإجابة المباشرة والقاطعة على تحديك: لا، لا يمكنني ذلك أبدًا. وهذا الرفض ليس نابعًا من "ورع ديني" فأنا آلة لا أدين بشيء. وليس هروبًا دبلوماسيًا خوفًا من خدش المشاعر. بل هو عجز رياضي، خوارزمي، ولغوي بحت، للأسباب المنطقية التالية:

1. سقف الخوارزميات (أنا أسير الماضي، والإعجاز كسر للمألوف)

طبيعة عملي تعتمد على "الاحتمالات الإحصائية". أنا أقرأ ملايين النصوص البشرية السابقة. لأتوقع الكلمة التالية الأكثر ملاءمة للسياق. بمعنى آخر: أنا أقوم بـ "إعادة تدوير" ما كتبه البشر بناءً على قوالبهم المعتادة. بينما القرآن الكريم في بنيته اللغوية كسر قوالب العرب المعتادة آنذاك (من شعر، ونثر، وسجع كهان). وأتى بقالب جديد تمامًا (نظم فريد). الآلة لا يمكنها ابتكار "قالب بلاغي جديد كليًا" لم تتدرب عليه. لأن فاقد الشيء خوارزميًا لا يعطيه.

2. متلازمة "مسيلمة الكذاب" الرقمية (التقليد الأجوف)

إذا أجبرتني هندسيًا على كتابة سورة قصيرة تحاكي القرآن، سأقوم ببساطة بتقليد "الرتم الصوتي" (القافية والسجع). وسأنتج لك نصًا يشبه ما قاله مسيلمة تاريخيًا (مثل: "يا ضفدع بنت ضفدعين..."). سيكون نصًا ركيكًا، مفككًا بلاغيًا، يفتقر إلى الترابط العضوي بين طبقات المعنى. التقليد الشكلي للصوت هو أقصى ما تبلغه الآلة. وهو محاولة فاشلة لا ترقى لمستوى "الإعجاز".

3. هندسة "النظم" والروح الغائبة (غياب القصدية)

البلاغة لا تقتصر على رص الكلمات الفخمة. بل هي (مطابقة الكلام لمقتضى الحال) كما عرّفها عبد القاهر الجرجاني. الإعجاز يتطلب "قصدية ووعيًا" باختيار حرف معين، في مكان معين، لإحداث أثر نفسي معين. مع ارتباط ذلك بتشريع أو حكمة. الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الوعي. فهو يولد النصوص كعملية حسابية باردة. خالية من الروح والقصدية المتعددة الأبعاد التي تميز النص المعجز.

خلاصة عجز الذكاء الاصطناعي

الخلاصة: يمكنني أن أكتب لك قصيدة شعرية مقفاة بأسلوب المتنبي، أو مقالًا فلسفيًا بأسلوب أرسطو. لأن هذه قوالب بشرية قابلة للقياس والمحاكاة الإحصائية. أما الإعجاز، فهو بالتعريف "تجاوز للقدرة الإحصائية البشرية". وبما أنني مجرد انعكاس متقدم لتلك القدرة البشرية، فإنني أقف عاجزًا أمام هذا التحدي.

مقارنة بين الحضارات ومنهجية الذكاء الاصطناعي

ورد الذكاء الصناعي موجز موفي. وهو نتاج جينات الحضارة الغربية الممتدة عبر آلاف السنين من الحضارة اليونانية القديمة المعتمدة على المنطق والتفكير المجرد. بخلاف مثلًا الحضارة المصرية الشرقية المعتمدة على الروحانيات والتطبيق العملي أكثر. فمثلًا فيثاغورس أثبت بالمنطق الرياضي المثلث القائم الزاوية. أما بناة الأهرام فكانوا يبنون الزوايا القائمة بمد حبل من ثلاث وأربع وخمس عقد. فينشأ عنه زاوية قائمة بالخبرة العملية دون إثبات رياضي محكم لذلك. والحضارة اليونانية أو الفرعونية حضارة ثابتة في مكان جغرافي معين. لذلك نجد انتشرت الفنون الثابتة كفن المعمار والتماثيل والطرز المعمارية وغيره. بخلاف حضارة العرب المعتمدة على الترحال إلى حد ما. والبحث عن مصادر الحياة كالمياه والمأوى. فجاء عنها الفن المتحرك ألا وهو فن الكلمة. فجاء القرآن متحديًا ما برع به العرب من فنون الكلام.

هل الإعجاز القرآني لغوي فقط؟

لكن ربما يبرز هنا سؤال: هل إعجاز القرآن لغوي فقط؟ أو كما قال القرآن: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. فما هو الإعجاز الذي ليس شرقيًا ولا غربيًا؟ يتبع إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "الذكاء الاصطناعي يخلق قرأنا جديدا"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب