فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء الخامس: الجسد والروح والنفس | معمارية القران

Cover Image for الجزء الخامس: الجسد والروح والنفس | معمارية القران
أحمد شاكر
أحمد شاكر

زوجية الجسد والروح والنفس في معمارية القرآن

مفهوم قانون الزوجية

واستكمالًا لموضوع معمارية القرآن، تحدثنا عن مفهوم قانون الزوجية. ولقد قلنا إن الله واحد أحد لا يتجزأ. خلق ما دونه مغايرًا لذاته ووحدانيته. وهنا سنتطرق إلى زوجية الجسد والروح والنفس.

خلق الجسد من طين

ولقد خلق الله جسد آدم من طين. قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (المؤمنون 12) فالطين هو عبارة عن التراب الذي اختلط به الماء، فأصبح كالعجينة بعد أن كان جافًا. ويتكون الطين عادة من الماء، والسيليكا، والألومينا. وتتراص الحبيبات لتشكل عجينة الطين.

خلق الجان من نار

أما الجان فمخلوق من نار. قال تعالى: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (الرحمن 15) وقال تعالى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) (الأعراف 12) فهنا يتكبر إبليس على أمر الله، وحجته أنه أفضل من آدم؛ لأنه مخلوق من نار وآدم من طين.

طبيعة النار

والنار هي الطاقة الحرارية والضوئية التي تنطلق أثناء التفاعل الكيميائي. فلا هي سائل يتدفق، ولا هي صلب نستطيع الإمساك به، ولا هي غاز يتصاعد. فما هي النار؟ فعندما ترتفع درجة حرارة الوقود، تبدأ ذرات الكربون والهيدروجين المكونة للوقود في الانفصال عن بعضها البعض. والاصطدام بذرات الأكسجين. هذا الاصطدام يؤدي إلى اتحاد ذرات الكربون والهيدروجين والأكسجين مع بعضها البعض، مكونة جزيئات جديدة من الماء وثاني أكسيد الكربون. تكون جزيئات جديدة يحرر طاقة عالية على شكل حرارة. ومن هنا تأتي حرارة النار والضوء.

نفخ الروح في الجسد

ثم نفخ الله الروح في جسد آدم عليه السلام. قال تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) (الحجر 28) فنفخ الله الروح في جسد آدم. فأصبح الجسد، من بعد أن كان بدون حراك، حيًا. فالروح، وهي المخلوقة لله، هي التي تدير الجسد. وإذا انسلت الروح من الجسد، أصبح الجسد ميتًا ورمة.

الروح والنفس: سؤال جوهري

لكن هنا يتبادر سؤال: هل النفس شيء والروح شيء آخر؟ أم أنهما مسميان لشيء واحد؟

خلق الروح ابتداءً

والحقيقة أن الروح مخلوقة ابتداءً منفصلة عن الجسد. قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172) (الأعراف 172) فالأرواح مخلوقة مسبقًا قبل مرحلة دخولها الجسد بميلاد الإنسان. فجميع أرواح بني آدم مخلوقة من زمن سحيق، وشهدت بالخالق سبحانه وتعالى.

ميثاق الأرواح

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق آدم، عليه السلام، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية". وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم، عليه السلام، بنعمان. يعني عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلاً قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) إلى قوله: (المبطلون)".

النفس: نتاج الاندماج

ثم بميلاد الإنسان تدخل الروح الجسد. وحينها ينتج منتج جديد يسمى النفس. وهو ليس شيئًا ثالثًا خلاف الجسد والروح، إنما مكون من اندماجهما. أشبه بالماء المكون من اندماج الأكسجين والهيدروجين. فينتج منتج جديد ذو مواصفات خاصة، مختلف عن مواصفات مكونيه الأصليين: الأكسجين والهيدروجين. فكذلك النفس منتج جديد ذو مواصفات خاصة، ناشئة عن اندماج كل من الروح والجسد. فينتج مواصفات جديدة، ومنها الشهوات. وتكون الروح قابعة خلف النفس. قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) (الشمس 8)

تفاعلات النفس والجسد والروح

وبعد الاندماج، تظهر الوصلات بين النفس والروح والجسد، وتفاعل أي منهما مع الآخر. وظهرت علوم كثيرة عن هذه التفاعلات، مثل: التلباثي، وعلم الموجة الذاتية، وعلاج الأمراض عن طريق رنين النفس للجسد دون أخذ أدوية أو علاجات خارجية (ما يسمى العلاج من الداخل). وتحكم النفس بالجسد، مثل تجارب الدكتور اسكوديرو في التحكم بالألم. ولربما نفصل بعض الشيء عن تلك العلوم في الحلقات القادمة، إن شاء الله.

طبيعة الروح: أمر من الله

وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) (الإسراء 85) والأمر هنا قد يكون كما أوضحنا في الحلقة السابقة بأن الأمر هو الضوء في تفسير قوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (السجدة 5) وقلنا المقصود من الأمر هو الضوء. لذا فقد تكون الروح مخلوقة من طبيعة الأنوار غير المرئية، والله أعلم. وهي مختلفة عن روح الجان المخلوقة من النار.

تداعيات اختلاط الأرواح

لذا إذا اختلطت الروحان معًا كما في حالات المس الشيطاني، ينتج عنه حالات إرهاق شديدة للإنسان، نتيجة اختلاط الأرواح غير المتكافئة. ولمن أراد الزيادة، فليرجع إلى حلقة لعنة رصد الفراعنة.

الخطاب القرآني الشامل

ومن هنا سنجد في القرآن الكريم الخطاب على المستويات الثلاثة، أنه يخاطب في اتزان كامل كلًا من الجسد والروح والنفس. وهو ما سوف نفصله في الحلقات القادمة، إن شاء الله.

ختام وتطلع

دمتم على خير. وتابعونا في الفصل التالي، إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "معمارية القران"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب