الجزء الأول: عتبات الدخول | عوالم اياك نعبد واياك نستعين


مفاتيح عوالم "إياك نعبد وإياك نستعين": هل المعرفة بوابة الوصول؟
تنامي النشاط البحثي القرآني والإعجاز العلمي
في العصور المتأخرة، زاد النشاط البحثي القرآني بشكل ملحوظ، وظهر ما يُسمى بـ "الإعجاز العلمي في القرآن الكريم"، والذي برزت فيه قامات علمية كبيرة مثل الدكتور زغلول النجار وغيره الكثير. وبالتوازي مع ذلك، تجلت إبداعات المفكرين الإسلاميين الذين سعوا لربط العقل والفكر النقدي بنصوص القرآن والسنة، على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم.
التباين بين الفكر الإبداعي والتمسك بالتراث
وصل الأمر ببعضهم إلى التباري لإظهار قدراتهم العقلية الفذة في استنباط ما لم يكتشفه أحد من العالمين، مع توجيه اللوم أحياناً إلى مشايخ الدين التقليديين لعدم قدرتهم على الإبداع، أو الإحاطة بالفلسفة وجوامع العلوم الحديثة. وفي الجهة المقابلة، يقف الأصوليون متمسكين بكتب التراث الإسلامي العظيم، لدرجة أن بعضهم لا يحيد قيد أنملة عن هذا الإطار.
السؤال المحوري: هل المعرفة بوابة "إياك نعبد وإياك نستعين"؟
لست هنا اليوم في مقام النقد لهذا الفريق أو ذاك، ولا للدفاع عن جهة على حساب أخرى. لكن التساؤل الذي يفرض نفسه بقوة اليوم هو: هل حقاً يمثل الإعجاز العلمي، أو الفكر الإسلامي العميق، أو حتى التبحر في كتب التراث الضخمة، البوابة الحقيقية للدخول إلى عوالم "إياك نعبد وإياك نستعين"؟
إجابة صادمة: لا علاقة لها ببوابة الدخول
الحقيقة التي قد تبدو صادمة للبعض هي أن كل هذا لا علاقة له إطلاقاً ببوابة الدخول لتلك العوالم، وذلك لعدة أسباب جوهرية.
الجنة ليست حكراً على الفلاسفة
سواء كنا نتحدث عن مبدع الفكر، أو المحقق، أو حتى المتلقي لهذه الأفكار، فإن استيعابها يتطلب قدرة عقلية وبنية معرفية معينة. ومن رحمة الله وعدله أن الجنة والوصول إليه ليسا حكراً على المتعلمين أو من يتقنون القراءة والكتابة، خاصة وأن نسبة كبيرة من البشرية عبر التاريخ كانت أُميّة. بل إن هناك عقولاً بسيطة تكاد تفهم الأمور البديهية بالكاد، فهل يُحرم هؤلاء من الوصول؟ بالطبع لا؛ لأن الجنة لها مفاتيح أخرى تماماً.
شواهد من القرآن والسنة: أمية الرسول والصحابة
يقول الحق تبارك وتعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). النبي محمد ﷺ كان أمياً، وأغلب أصحابه كذلك. خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، لم يكن يحفظ من القرآن إلا سوراً قليلة لانشغاله الدائم بالجهاد. فتشكيل البنية العلمية قد يستغرق من المرء ثلاثين عاماً من القراءة والتفرغ، وهو ترف لا يملكه الجميع.
إشكالية الفهم والتفاوت العقلي
لقد قسّم الفيلسوف أفلاطون الناس إلى فئتين: "الآلهة" (حسب تعبيره) وهم من يقبعون في عالم السحاب والفلسفة والمنطق، و"العمالقة" وهم الذين يضربون في الأرض ويسعون في الحياة، وهو حال الأغلبية. وفي الأغلب الأعم، لا يلتقي هؤلاء بأولئك.
تباين الفهم: قصة عدي بن حاتم
حتى في فهم النصوص الواضحة، تختلف العقول. الصحابي الجليل عدي بن حاتم رضي الله عنه، وضع خيطاً أبيض وآخر أسود تحت وسادته ليتبين له وقت الصيام بناءً على الآية: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود). ولما أخبر النبي ﷺ بذلك، ضحك وبيّن له أن المقصود هو بياض النهار وسواد الليل.
تفاوت الفهم بين البشر وحتى الأنبياء
بسبب اختلاف التركيبة العقلية، والدماغ، والبيئة، والثقافة، نجد اختلافات شاسعة في الفهم. بل إن هذا التفاوت يظهر حتى بين الأنبياء أنفسهم في ذات البيئة والجينات، كما في قوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، حين حكم سليمان بحكم أدق من أبيه داود عليهما السلام في قضية الحرث.
الفهم المعاكس وتحذير من العلم لغير وجه الله
لذا، لا تتعجب اليوم حين ترى من يقرأ النص القرآني ذاته، ولكنه يخرج بفهم معاكس تماماً للمقصود. وربما في عصرنا هذا، أصبح "الذكاء الاصطناعي" أو محركات البحث تمتلك معلومات تفوق ما يحفظه الكثير من المتصدرين للفتوى، وقد أخبرنا المعصوم أن أول من تُسعر بهم النار عالم تعلم ليقال عنه "عالم".
الملهيات عن المقصود الأعظم
للأسف، تعتمد صناعة البرامج الحوارية (التوك شو) والبودكاست اليوم على "الفرقعة" الإعلامية والبحث الدائم عن كل ما هو غريب وجديد.
تأكيد: مفاتيح العوالم ليست في العلم أو التعقيد
من هنا أؤكد: مفاتيح عوالم "إياك نعبد وإياك نستعين" لا علاقة لها بالعلم، أو التعقيد المعرفي، أو العقل والمنطق المادي. العالم من حولنا متسع، وتتداخل فيه الطبقات والاتجاهات كخيوط المعكرونة المتشابكة، وملايين الطرق التي تأخذك يميناً ويساراً، لكنها في الحقيقة مجرد ملهيات عن المقصود الأساسي.
رسالة موجهة للجميع
خطابي هذا موجه للمسلم، ولأي صاحب دين آخر، بل وحتى لمن لا يؤمن بوجود إله أصلاً، كما سيتبين لنا لاحقاً.
سؤال لا مفر منه
سأختم هذه المقدمة بسؤال واحد، يجب أن تسأله لنفسك بكل تجرد. وبناءً على قرارك وردك، ستُبنى سلسلة مفاتيحنا القادمة:
سيناريو القرار المصيري
لو افترضنا أنك في مكان غريب ومقفر وسط ظلام دامس، وتبعد عن منزلك مسافة 250 كيلومتراً. نظرت إلى عداد الوقود في سيارتك فوجدت أن ما تبقى هو 5 لترات فقط؛ كمية يستحيل أن تصل بك إلى بيتك. ليس معك نقود لشراء المزيد، ولا يوجد من يقرضك، وانقطعت بك كل السبل.
خياران أمام طريق مسدود
أي قرار ستتخذ؟ هل ستنام في السيارة على أمل أن تجد حلاً في الصباح؟ أم أنك ستتوكل على الله وتستعين به وحده، وتتحرك بالسيارة في طريق وعر ومظلم، لا يمكن العودة منه أبداً؟
المقدمة والخطوة القادمة
حسب إجابتك، سنبدأ في الحلقة القادمة بفتح أول عوالم "إياك نعبد وإياك نستعين".
🔗 أجزاء سلسلة "عوالم اياك نعبد واياك نستعين"
- الجزء الأول: عتبات الدخول2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الثاني: التدريب وتدرج اليقين
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن
- الجزء التاسع: جندي الرعب
- الجزء العاشر: سر المغضوب عليهم
