فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء الثالث: بين العقل والقلب | معمارية القران

Cover Image for الجزء الثالث: بين العقل والقلب | معمارية القران
أحمد شاكر
أحمد شاكر

معمارية القرآن وقانون الزوجية

مقدمة عن قانون الزوجية في القرآن

واستكمالًا لموضوع معمارية القرآن، توقفنا في الحلقة السابقة عند مفهوم قانون الزوجية. نجد مفهوم الزوجية مكونًا أساسيًا في معمارية وبنية القرآن. ولأن موضوع معمارية القرآن متشابك، فسوف نجول سريعًا لرؤية الموضوع ككل.

الزوجية في الخلق والقوانين الكونية

لقد قلنا إن الله واحدٌ أحدٌ لا يتجزأ. خلق ما دونه مغايرًا لذاته وأحديته. فخلق الله قانون الزوجية مغايرًا له سبحانه وتعالى. وهو يجري على كل شيء بما فيها المادة. فالقانون الذي يجري على الأجسام الكبيرة وتحكمه النسبية، يخالف القانون الذي يحكم الأجسام الذرية. وهو قانون ميكانيكا الكم.

الزوجية في الإنسان: العقل والقلب

وفي القرآن، يخاطب الله البشر المكونين أيضًا من الزوجية. فالإنسان، بخلاف زوجية الجسد والروح كما أشرنا إليها في الحلقة السابقة، نجد أن الجسد مكون أيضًا من زوجين: العقل والقلب.

استقلالية القلب ودوره في الشخصية

ولعل ما يحدث من تغييرات في شخصية المريض حين تُزرع له قلبٌ من شخص متوفى، حيث نجده تأثر بشخصية المتوفى شاهدٌ على استقلالية القلب عن العقل. هذا عكس النظرة التقليدية للطب الحديث من أن القلب عبارة عن مضخة للدم فقط، وأن الذي يحكم هو العقل وليس القلب. وذلك ابتداءً من القرن السابع عشر حيث اكتشف ويليام هارفي أن القلب مضخة للدم. أو على حسب رأي ديكارت أن الإنسان عبارة عن آلة. والقلب ملك العواطف ولغته شاعرية. وهو من يحدد الشخصية وليس عبدًا للعقل. ونجد في شعورنا أن القلب هو المكسور، وأن القلب هو الذي يشعر بالفرح. وفي الثورة الحديثة الطبية أن للقلب 10 آلاف خلية عصبية تسمى "عقل القلب" منفصلة عن العقل. وفي الحقيقة، يحدث بين العقل والقلب تفاعل أو تزاوج. وليس كل منهما في جزيرة منفصلة. فالإنسان بين القلب والعقل، بين العاطفة والمنطق. وللقلب أسباب لا يدرك العقل منها شيئًا. وخص الله القلب الذي في الصدر وليس رمزًا للعقل. قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

السور المكية: خطاب القلب والإيمان

وأول ما نزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة سورة العلق، وهي تعريف بالخالق سبحانه وتعالى. وتوالت السور المكية؛ وهو ما نزل من القرآن الكريم في مكة. وهي تركز على الإيمان والعقيدة؛ فهي تخاطب القلب.

خصائص السور المكية

  • تدعو آياتها إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له.
  • تدعو آياتها إلى الإيمان بالله وبوجود الجنة والنار والبعث والحساب يوم القيامة.
  • تتحدى آياتها العرب أن يأتوا بسورة مثل سوره.
  • تحتوي آياتها على محاججة للكافرين والذين أشركوا مع الله إلهًا آخر.
  • تسرد آياتها قصص الأمم السابقة والتي هلكت بسبب كفرها وعنادها كقوم ثمود وعاد.
  • آياتها قصيرة نوعًا ما.
  • يكثر في آياتها أسلوب الخطاب بـ "يا أيها الناس".

السور المدنية: خطاب العقل والتشريع

ثم هاجر النبي إلى المدينة ونزلت السور المدنية. وهنا أصبح للمسلمين دولة، فأصبح لازمًا أن يكون بالسور التشريع؛ فهي تركز على العقل.

خصائص السور المدنية

  • يكثر في آياتها أسلوب خطاب "يا أيها الذين آمنوا".
  • تفصل آياتها بعضًا من أحكام الدين الإسلامي كالميراث وفريضة الحج وحد السرقة وغيرها.
  • تتحدث آياتها عن تشريعات متعددة كالزواج والطلاق.
  • تدعو آياتها إلى الجهاد.
  • ترد آياتها على أهل الكتب السماوية الأخرى.
  • تذكر المنافقين في آياتها.

تداخل السور المكية والمدنية في ترتيب القرآن

والسور المكية والمدنية، على اختلاف العلماء في تحديد بعضها، مختلطة معًا. والقرآن التوقيفي ليس مرتبًا حسب السور المكية ثم المدنية. وقد يجد القارئ لكتاب الله تعالى في بعض السور المكية آيات مدنية. وقد يجد في بعض السور المدنية، آيات مكية. ولكن اعتبار السورة بمكية أو مدنية يكون بحسب مطلع هذه السورة. فإن نزل مطلعها في المدينة فهي مدنيةٌ، وإن نزلت في مكة فهي مكيةٌ.

التوازن بين خطاب القلب والعقل

ويمكن القول باختصار أن السور المكية تركز على الإيمان والعقيدة؛ فهي تخاطب القلب. أما السور المدنية فتركز على الشريعة؛ فهي تخاطب العقل. والتوازن بينهما تباعًا يعطي اتزانًا للإنسان ككل، المكون من القلب والعقل في إيقاع الليل والنهار، في دورة غير منتهية. فأنت تدور في القرآن بين المكي والمدني، بين القلب والعقل، دورة غير منتهية؛ فيعطيك الاتزان المطلوب. والتركيز على القلب بنسبة الثلثين تقريبًا لأهمية القلب في إعطائه الأوامر أصلاً للعقل واتخاذ القرار، وهو يقود العقل وليس العكس.

القرآن: تكامل دائم للعقل والقلب

وعادة أي كتاب إما تجده يركز على العقل كالعلوم، أو يركز على القلب كالشعر. فها هو أينشتاين في مقدمة كتابه "النسبية" يعلن بوضوح أن كتابه عقليٌ بحت. هو لا يناسب الترزي أو من يركز على المشاعر والعواطف. فمثلاً لو أضاف أينشتاين شعرًا إلى "النسبية" لأفسد الاثنين. أما في القرآن، فكما قلنا الدوران بين القلب والعقل تباعًا. كما يحدث للإنسان في واقع أمره من دورة لا منتهية بين القلب والعقل لحظيًا، وليس فصل القلب عن العقل. نحن فقط نفصل بينهما لسهولة فهم كل أمر على حدة. وهذا ما يعطي حياة للقرآن، فعطاءه ممتد عبر الزمان والمكان. ولو تم فصل موضوعات القلب عن موضوعات العقل لأصبح القرآن محدودًا.

خاتمة

دمتم على خير، وتابعونا في الفصل التالي إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "معمارية القران"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب