فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء التاسع: جندي الرعب | عوالم اياك نعبد واياك نستعين

Cover Image for الجزء التاسع: جندي الرعب | عوالم اياك نعبد واياك نستعين
أحمد شاكر
أحمد شاكر

مفاتيح عوالم إياك نعبد وإياك نستعين (المفتاح التاسع): "طائرة الـ F-35 وجندي الرعب"

أهلاً وسهلاً بحضراتكم.

الجذع القوي: إياك نعبد وإياك نستعين

توقفنا في الحلقات السابقة عند الجذور الثلاثة لشجرة الحمد. لكن الجذور وحدها لا تثمر إن لم يخرج منها 'جذع قوي' يواجه عواصف الدنيا. هذا الجذع الصلب هو: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. وهو ما تدور عليه موضوع الحلقات.

طريق الهداية: الصراط المستقيم

قال تعالى:

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

أشرنا سابقاً إلى أن أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم. وعندما نطلب من الله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}. يوضح لنا سبحانه أن هذا الطريق ليس مجهولاً، بل هو: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. وأول من أنعم الله عليهم هم الأنبياء. فما هو القاسم المشترك بينهم؟

وظيفة الأنبياء: الدعوة والإصلاح

هذا بخلاف أن لكل نبي شرعة ومنهاج. قال تعالى:

لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً

لكن الوظيفة الأساسية لهم جميعاً كانت: الدعوة إلى الله، وإصلاح الأرض. قد يظن البعض أن هذه الوظيفة وظيفة الأنبياء فقط ولا علاقة لنا بها! هنا تكمن المشكلة. يقول النبي ﷺ: (أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها، قال: يا رب إن فيها عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين! قال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط). ولم يتمعر وجهه؛ أي لم يتغير لونه غضباً لله عند رؤية المعاصي. كان صالحاً في ذاته، لكنه لم يكن مصلحاً لغيره. فنزل عليه العذاب معهم.

الصلاح الفردي والاستخلاف

الصلاح الفردي لا يكفي. طريق النجاة هو الاستخلاف. قال تعالى:

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}.

التعبير القرآني دقيق؛ قال (تأمرون) ولم يقل (تدعون). الأمر يقتضي القوة والسلطان. وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: 'إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'.

وحدة النبوة والسلطان

لقد كانت في العهود القديمة سلالة النبوة في جهة وسلالة السلطان والحكم في جهة. حتى تم توحيدهما من النبي داوود وسليمان عليهما السلام. فأصبح النبي الحاكم. وهو ما بدأ به النبي محمد صلى الله عليه وسلم. عندما أرسل إلى الملوك، ورؤساء القبائل، والعشائر، يدعوهم بها إلى اتباع دين الإسلام. ومن بينهم النجاشي ملك الحبشة، وكسرى ملك الفرس، وهرقل. ومنها هذه الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين.

وقال تعالى:

قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.

فهم الصحابة ووهن الأمة

هذا ما فهمه الصحابة. تركوا الصلاة في المسجد الحرام (بمائة ألف صلاة)، وفي المسجد النبوي (بألف صلاة). وانطلقوا في بقاع الأرض دعاة وفاتحين. وقبورهم في أقاصي الأرض تشهد عليهم.

والسبب الرئيسي للوهن الذي به العالم الإسلامي اليوم الذي يربو على 2 مليار مسلم. أنهم تركوا هذه الوظيفة. وحصروا الدين في الكتاتيب وحفظ القرآن والصلاة في المساجد وملايين في الحج فحسب. مما أدى إلى الوضع المتدني الذي نحن فيه.

حديث الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومِن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت».

تبعية الأمم وجحر الضب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: فَمَن؟)

تركنا الوظيفة. وحصرنا الدين في المساجد وحفظ الحروف دون إقامة الحدود. بل وتبعنا غيرنا في كل شيء.

الضَّب هو حيوان زاحف صحراوي. وجحره يتميز بكونه ضيقاً جداً، متعرجاً، وعفناً. وغالباً ما يكون له فتحة واحدة. مما يجعله مكاناً لا يُطاق ولا نجاة فيه.

من الدعاء إلى F-35: غياب جندي الرعب

ولعل أصدق تعبير عن هذه الحالة المزرية، ما سمعته من أحد شباب اليوم. حين قال: 'الدعاء لا فائدة منه، نحن بحاجة لامتلاك طائرة F-35 للمواجهة، ومصيبتنا في الركون للقضاء والقدر!'. ويبدو أن كلامه صحيح حسب معطيات الواقع المنزوع السلاح! لقد رُفع عنا النصر. وتُركنا لقانون الأسباب المادية البحتة. وغاب عنا 'الجندي المجهول'.

يقول النبي ﷺ: (نُصرت بالرعب مسيرة شهر). هذا الجندي (الرعب) كانت تفتح به الحصون وتنهار أمامه الإمبراطوريات. لكن لما خنّا الأمانة، نُزعت المهابة من قلوب أعدائنا تجاهنا.

تشخيص الداء والعلاج المنتظر

وبهذا الفهم وتفعيله في واقعنا سنفهم العمود الفقري للقرآن الكريم. الذي أصبح مجموعة من قصص الأنبياء وسير الصالحين تردد على الألسنة. ولا تمت للواقع الذي نعيش فيه بأي بصلة.

وقديماً في عصر الأنبياء كان ينزل غضب الله من السماء على العصاة والكافرين. فلما لا ينزل الآن؟

ولقد وضعنا أيدينا على تشخيص المرض العضال. لكن، ما هي طرق العلاج الممكنة الآن للخروج من جحر الضب؟ ومن هم المغضوب عليهم ومن هم الضالون؟ وهل الوضع الذي نحن فيه ينطبق عليه إحدى هاتين الطائفتين؟

هذا ما سنحاول سبر أغواره. فتابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "عوالم اياك نعبد واياك نستعين"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب