فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء السادس: التاريخ الخفي؟ | رقعة الشطرنج الأخيرة

Cover Image for الجزء السادس: التاريخ الخفي؟ | رقعة الشطرنج الأخيرة
أحمد شاكر
أحمد شاكر

معادلة الإسراء… التاريخ الخفي؟ | رقعة الشطرنج الأخيرة (6)

أهلاً وسهلاً بحضراتكم. استكمالًا لما توقفنا عنده من الإشكاليات الخاصة بالإفسادين والعقابين الرادعين لبني إسرائيل. وفي الحلقة السابقة، عرضنا مجموعة من الإشكاليات التي جعلت التفسيرات التقليدية لا تتطابق بشكل كامل مع النص. ونحاول هنا بناء تصورٍ محتمل يجمع هذه الخيوط في نموذج واحد.

الإفساد المتكرر والعلوين الكبيرين

بدايةً، نود أن ننوه إلى أن فساد بني إسرائيل ليس مقتصرًا على مرتين فقط في التاريخ. بل هو فساد ممتد عبر العصور بإفساد متكرر. بدءًا من عصر موسى عليه السلام بعبادة العجل. ومرورًا بقتل الأنبياء، وتحريف الكلم، ونقض المواثيق. لقد ذكر القرآن بني إسرائيل كثيرًا، أكثر من 40 مرة عبر 16 سورة مختلفة، ليوثق مسيرتهم مع الإفساد. قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}. وقال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.

ونحن هنا لسنا بصدد تفكيك كل هذه الإفسادات وتحليلها تفصيلًا. لكن ما يهمنا في موضوع اليوم هو "العلوين الكبيرين" في شفرة سورة الإسراء. قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. الفساد المقصود هنا تحكمه قاعدة (الارتباط الشرطي). أي الفساد المقرون بالعلو الكبير.

ولا يظهر في التاريخ علوٌّ واضح مكتمل الأركان بمعنى "دولة مسيطرة تتحكم في زمام الأمور" إلا في مرحلتين بارزتين:

  • الأولى: في عصر سليمان وداود عليهما السلام، وما تلاها من حقبة، كما شرحنا ذلك تفصيلًا من قبل.
  • والثانية: هو الوقت الحالي، والكيان الذي نراه يتشكل منذ عام 1948.

وبهذا الميزان، فإن وجود اليهود في المدينة وصراعاتهم مع النبي ﷺ لم يكن "علوًا كبيرًا". لأنهم كانوا قبائل متفرقة تحت سيادة العرب. ولم تكن لهم دولة مهيمنة.

المحور الأول: إشكالية المسجد والهيكل

ومن هنا، العلو الكبير الأول كان في دولتهم القديمة (في القدس). فكيف سقط هذا العلو؟ ومن هم الذين دمروا هيكلهم؟ التاريخ يخبرنا أنهم "البابليون" (قوة شرقية)، على يد الملك البابلي نبوخذ نصر. كما شرحنا سابقًا.

وهنا تظهر الإشكالية الأولى التي ذكرناها سابقًا. القرآن يقول عن الدخول العقابي الثاني: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فهل الهيكل الذي دمره البابليون في المرة الأولى كان يُعتبر "مسجدًا"؟ في العقيدة الإسلامية، كل مكان وُضع على الأرض للأنبياء ليُسجد فيه لله هو "مسجد". كما في قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾. فدين الأنبياء جميعًا واحد وهو الإسلام. ولهم نفس الوجهة وإن اختلفت الشرائع. القرآن يقرر أن الأنبياء إخوة. وذكر أن إبراهيم عليه السلام كان "حنيفًا مسلمًا". فجميع الأنبياء والرسل، من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وصولًا إلى محمد (عليهم الصلاة والسلام)، دينهم واحد هو الإسلام. قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}. والمسجد الأقصى بُني بعد المسجد الحرام بأربعين عامًا. كما ورد في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه. وبغض النظر عمن قام ببنائهما (سواء الملائكة أو آدم عليه السلام). فإن الشاهد هنا هو أن المسجد الأقصى كان موجودًا قبل وجود الديانة اليهودية أصلًا! بناء سليمان عليه السلام كان "تجديدًا" للمسجد. لكنهم أطلقوا عليه سياسيًا وقوميًا اسم "الهيكل". والقرآن لا يعترف بمصطلح الهيكل، بل أرجعه لأصله وهو: (المسجد).

المحور الثاني: التاريخ الخفي وفخ "عبادًا لنا"

ومن هنا تظهر الإشكالية الأخرى. كيف يسمي الله البابليين في القرآن بـ ﴿عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؟ أليست كلمة "عباد" تطلق على المؤمنين فقط كـ (عباد الرحمن)؟ كيف يكون الوثني عبدًا لله؟ هناك آراء ترى أنه يمكن إطلاق (عبادي) على المشركين والكفار كعبودية تسخير وقهر. كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾. لكن دعونا نسترجع التاريخ قليلًا إلى الوراء ونقرأ المشهد من زاوية أعمق.

بدايةً من عصر سيدنا إبراهيم عليه السلام (في الفترة التقريبية بين القرنين العشرين والتاسع عشر قبل الميلاد). سيدنا إبراهيم كان في مدينة "أور" الكلدانية بالعراق (بابل) حيث واجه النمرود. ثم هاجر منها إلى بلاد الشام (فلسطين) واستقر فيها. ورغم هجرته، ظلت هناك مجموعة مؤمنة بالله على دين سيدنا إبراهيم في بابل. وإن كانت أقلية.

نحن هنا أمام خط نبوي وتوحيدي موازٍ ومختلف عن خط سلالة سيدنا إبراهيم في القدس (إسحاق ويعقوب وموسى وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل). والسبب أن العالم وقتها لم يكن قرية صغيرة كما هو الحال اليوم. فكنا نجد نبيًا في مكان. ونبيًا آخر في نفس الوقت في مكان مختلف. كسيدنا إبراهيم. وابن أخيه لوط عليه السلام الذي بُعث في منطقة سدوم. ومثل إلياس واليسع وذي الكفل وغيرهم.

وعلى هذا الخط الإبراهيمي الموازي في بابل، وفي خط زمني مقارب لعصر سليمان، ظهر المَلَكَان هاروت وماروت مع المؤمنين القلة في بابل. يقول القرآن الكريم:

﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ...﴾.

نجد هنا أن الله برأ سليمان عليه السلام من السحر والكفر الذي أشاعه عنه اليهود. لكن الشياطين هم من علموا الناس السحر. فأنزل الله المَلَكَين (هاروت وماروت) في بابل كخط موازٍ لمواجهة هذا السحر. وفي الحقيقة، معرفة المرض نصف العلاج. لا يمكن تعلم العلاج جيدًا دون معرفة حقيقة المرض. السحر علم شأنه شأن أي علم. والسحر أنواع كثيرة مثل السحر الهوائي، والمائي، والناري، والترابي، والسرياني، والضرب على النجوم، وغيره. وله أكاديميات شرعية تدرس السحر وعلاجه وغيره كما في المغرب حاليًا. فكان المَلَكَان يُعلِّمان السحر كطرق للمواجهة والعلاج. مع التحذير الشديد من الانزلاق في استخدامه. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ونرى البعض اليوم من المعالجين بالقرآن ينزلقون إلى هذا المنحدر الخطير بوحي من الشيطان. ليغريهم بالقوة والهيمنة.

ولن نتطرق إلى بعض التخاريف الموجودة في كتب التفسير (قصة الزهرة التي أغوت الملائكة بعد أن ركب بهم الشهوة وتم مسخها لكوكب). لكن ما يهمنا هنا هو دلالة قرآنية قاطعة. خطاب المَلَكَيْن هاروت وماروت في بابل كان موجهًا أصلًا للمؤمنين. دليل ذلك قولهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. فليس من المنطقي ولا من المعقول أن تقول لكافر (لا تكفر)! وهذا يدلل بقوة على وجود مؤمنين على دين إبراهيم عليه السلام في بابل إبان ذلك العصر. وطبعًا أرسل الله أنبياء ورسلًا إلى جميع أمم الأرض في مختلف بقاع العالم. وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط (القدس أو مصر). ويؤكد القرآن الكريم أن "كل أمة" قد بعث الله فيها نذيرًا. قال تعالى: { وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ }. والأنبياء المذكورون في الكتب هم فقط جزء من رسل الله.

وحتى لا نبتعد عن مسارنا الأساسي، سنتطرق إلى تفاصيل هذا التاريخ المخفي، وكيف ينعكس على معادلة الإسراء. وتابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "رقعة الشطرنج الأخيرة"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب