فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء الثالث: شفرة الهيكل | رقعة الشطرنج الأخيرة

Cover Image for الجزء الثالث: شفرة الهيكل | رقعة الشطرنج الأخيرة
أحمد شاكر
أحمد شاكر

من هو المسيح المنتظر؟ رحلة عبر التاريخ

مقدمة الأحجية: قطعة جديدة في المشهد الكلي

أهلاً وسهلاً بحضراتكم. توقفنا في الحلقة السابقة عند "ثاني قطعة" من قطع أحجية البازل لفهم الصورة الكلية لما يحدث حولنا. وتعرفنا على الخريطة الزمنية المرتقبة. واليوم، سنضع قطعة أخرى بالغة الأهمية. علّنا نقترب أكثر من رؤية المشهد الكامل.

المسيح المنتظر: تباين الرؤى الدينية

سأقوم اليوم بـ "طيّ صفحات التاريخ" سريعاً وبنظرة خاطفة. لنجيب عن السؤال الأخطر: من هو الرجل القابع في الهيكل؟ أو من هو "المسيح" الذي ينتظرونه؟ ابتداءً، فكرة "المسيح المخلص" المنتظر في آخر الزمان تشترك فيها الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. وتتفق النظرة المسيحية والإسلامية على أن هذا المسيح هو الشخص ذاته: "عيسى ابن مريم" عليه السلام. ولكن النظرة الإسلامية تنفرد بأن هذا المسيح سينزل في آخر الزمان ليتبع شريعة النبي محمد ﷺ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية).

المسيح اليهودي: ملك سياسي من نسل داود

أما بالنسبة لليهود، وكما أوضحنا في الحلقة السابقة، فبسبب كفرهم بعيسى ابن مريم الذي أرسله الله لهم. ما زالوا حتى اليوم ينتظرون "المسيح المنتظر". ملكاً وقائداً سياسياً وعسكرياً من نسل داود. ليعيد لهم مملكتهم المفقودة ويحكم العالم من القدس.

انهيار المملكة والسبايا المتتالية

فكيف فُقدت هذه المملكة؟ فكما أوضحنا، بعد وفاة النبي سليمان (عليه السلام) حوالي عام 931 قبل الميلاد. انقسمت مملكته الموحدة إلى دولتين: "يهوذا" في الجنوب وعاصمتها القدس، و"إسرائيل" في الشمال وعاصمتها السامرة. وكما قلنا سابقاً، دخلتا في صراعات وعبادة أصنام. مما جلب عليهم غضب السماء. وبدأ عصر السبي والشتات. ففي عام 722 ق.م، اجتاح الآشوريون المملكة الشمالية وشتتوا أسباطها. ثم جاءت الضربة الكبرى في (السبي البابلي) عام 586 ق.م. عندما دمر نبوخذ نصر مملكة يهوذا وهدم "الهيكل الأول". لاحقاً، سمح لهم الملك الفارسي كورش بالعودة وبناء "الهيكل الثاني". لكنهم خضعوا بعد ذلك لسيطرة الإغريق ثم الرومان. ليأتي القائد الروماني تيطس عام 70 ميلادية. ويدمر الهيكل الثاني تماماً. لتبدأ رحلة الشتات الأكبر في الأرض.

آيات قرآنية عن الشتات والعقاب

قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾.

اليهود في الجزيرة العربية ونقض المواثيق

ودخل اليهود الجزيرة العربية قبل النبي محمد عبر موجات هجرة قديمة. مدفوعين بشكل أساسي بالاضطهاد الروماني بعد تدمير القدس (70م وإلى 135م) بحثًا عن الأمان. استقروا في مناطق الحجاز واليمن (يثرب، خيبر، تيماء) سعيًا وراء التجارة، وزراعة النخيل، والصناعة. مستغلين نفوذهم المالي. في حين تهودت قبائل عربية أخرى. وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم نقض اليهود المواثيق كخيانتهم المعتادة في عام 627 م.

واقعة بني قريظة: حكم الله على الخائنين

فكما يروى عن السيدة عائشة رضي الله عنها: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا رَجَعَ يَومَ الخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ، وَاغْتَسَلَ فأتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ، فَقالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ فَوَاللَّهِ ما وَضَعْتُهُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فأيْنَ قالَ، هَا هُنَا، وَأَوْمَأَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، قالَتْ: فَخَرَجَ إليهِم رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. وقال للصحابة: (ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة). وهناك من أخر صلاة العصر حتى وصل بني قريظة ليلاً تنفيذاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. والشاهد أن سيدنا جبريل عليه السلام عاتب النبي صلى الله عليه وسلم عن التأخير في مقاتلة اليهود. لا انتظار ولا حتى راحة ولا غسل. وأن الملائكة مصطفة وعلى رأسهم جبريل لاستكمال القتال مع بني قريظة اليهود الخائنين. ووقع عليهم حكم الله بقتل مقاتلتهم، وسبي نسائهم وذراريهم، وتقسيم أموالهم وأراضيهم. وقال تعالى عامة: "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ". وهو المبالغة في القتل والفتك بالأعداء حتى لا تبقى لهم قوة.

شتات مستمر: يهود الخزر وأصول الملامح الغربية

ويستمر الشتات في الأرض وإلى مناطق متفرقة أخرى حتى ظهرت إمبراطورية تجارية تركية في القوقاز تسمى (الخزر). اعتنقت نخبتها اليهودية حوالي عام 740 ميلادية لأهداف سياسية بحتة. لتتجنب الخضوع للإمبراطورية البيزنطية المسيحية أو الخلافة الإسلامية. وهذا ما يفسر الأصول "الخزرية" لمعظم اليهود اليوم. والذين يحملون ملامح غربية لا علاقة لها بأسباط بني إسرائيل الأصليين في الشرق. إلى أن شن الروس (الفايكنج) وحلفاؤهم حروباً حاسمة أدت إلى انهيار الإمبراطورية الخزرية في منتصف القرن العاشر، وتحديداً حول عام 965م. وشُتت هؤلاء أيضاً في الأرض. وكأن من يعتنق هذه الفكرة محكوم عليه بالشتات التاريخي.

العداء الأوروبي والشتات في "الجيتو"

ودائماً ما كان اليهود مكروهين. ففي القرون الميلادية التالية، اتسم موقف الغرب (أوروبا المسيحية) تجاه اليهود بالعداء المتزايد. حيث عُزِلت الجاليات اليهودية قسراً في ما يسمى بالجيتو. وفُرضت عليهم قيود اقتصادية واجتماعية صارمة. مما مهد لطرد جماعي لاحق في العصور الوسطى (مثل ما حدث في إنجلترا 1290). وقد يتعجب البعض كيف يتسق هذا مع دعمهم اليوم لهم بكل قوة. وفي الحقيقة لأنهم تخلصوا منهم.

الحلم الصهيوني: تعجيل ظهور المسيح المنتظر

إلى أن جاء يوم في أواخر القرن التاسع عشر. وحلم الصحفي "تيودور هرتزل" بالمسيح المنتظر. وبدأ يفكر: كيف نُعجّل بعودة هذا المسيح؟ وكما ذكرنا، المعتقد الرئيسي لديهم هو: "من الصلاح تنفيذ نبوءات الرب". أي يجب أن نصنع المقدمات بأيدينا.

شروط العودة: التجمع، الهيكل، والحروب العظمى

وشروط عودة مسيحهم صارمة:

  1. التجمع من الشتات والعودة لفلسطين.
  2. بناء "الهيكل الثالث" في القدس.
  3. اندلاع حروب عظمى (آلام المخاض) التي تسبق نزوله.

من الحلم إلى المخطط: بدايات الصهيونية العالمية

فبدأ هرتزل المخطط بكتابه "الدولة اليهودية" عام 1896. ثم أسس "المنظمة الصهيونية العالمية" في سويسرا عام 1897. ولقد جمعوا ثروة طائلة من تجارة الألماس بأفريقيا لتمويل مخططهم. وحاولوا في البداية شراء فلسطين بالمال. لكن السلطان "عبد الحميد الثاني" رفض بصرامة. وأكد أن فلسطين أرض إسلامية لا يمكن التنازل عن شبر منها. وكان لازماً بعدها التخطيط لإسقاط الخلافة العثمانية. ونجح ذلك على يد كمال أتاتورك، اليهودي في أصوله، ونهاية لأكثر من 600 عام من الحكم العثماني. وطبعاً مع إشعال الثورات العربية ضد الخلافة العثمانية. وبدأ مخطط التفتيت. ونجح لورنس العرب، ضابط الاستخبارات البريطانية، في ذلك.

تفتيت الأمة ووعد بلفور المشؤوم

ولقد تحالف التيار الوهابي الديني للأسف مع عبد العزيز بن سعود لتفتيت الخلافة العثمانية. والتي اتسمت بمواجهة النفوذ العثماني في شبه الجزيرة العربية عكس الأزهر الذي رفض ذلك. وهم مستمرون في مخططاتهم للتفتيت أكثر وأكثر (فرق تسد). مستغلين غباء أو طمع العرب والمسلمين كما فعل قديماً لورنس العرب. أو كما ظهر جلياً في الوثيقة الخطيرة لـ "برنارد لويس"، العراب الصهيوني الشهير... وتلك قصة أخرى. وعلى مستويات عدة أخرى لجأوا كذلك للسياسة والمكر. حتى صدر (وعد بلفور) المشؤوم عام 1917. "وعد من لا يملك لمن لا يستحق". وكانت بريطانيا هي القوة الاستعمارية الداعمة. وكان المهندس الفعلي لتنفيذ هذا الوعد هو "وينستون تشرشل". الذي كان صهيونياً ملتزماً وداعماً بشراسة لإنشاء هذا الكيان. بناءً طبعاً على صفقات ومصالح خفية.

قيام دولة إسرائيل واستمرارية المخطط

وانتهى الانتداب البريطاني. وأعلن دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل في عصر يوم 14 مايو 1948. ونزل علم إنجلترا وصعد علم إسرائيل. وهي بالضبط النقطة التي بدأ منها "الخط الزمني" للخريطة التي عرضناها في الحلقة السابقة. المخطط يسير بخطى ثابتة نحو هدفه. وسط انبطاح وغيبوبة من الدول العربية والإسلامية. وهذا ما يفسر لنا اليوم ظاهرة: لماذا يضع جنود جيش الاحتلال شعار "الهيكل" على أكتافهم أثناء تدميرهم لغزة؟ ولماذا ظهرت في إسرائيل مؤسسات ضخمة، على رأسها (معهد الهيكل)، تقوم فعلياً بإعادة تصنيع أدوات الهيكل القديمة بالذهب الخالص؟ بل ويدربون أشخاصاً من نسل الكهنة على أداء طقوس الذبح والقرابين! هم جاهزون تماماً للحظة الصفر. والمكان الذي ينتظرون بناء الهيكل فيه، هو ذاته المكان الذي يقف عليه اليوم المسجد الأقصى المبارك. لقد اقتربوا من النهاية. لكن على ما يبدو "لا حياة لمن تنادي!".

درس من اليقين: الطريق الأقصر للنصر

ولقد كنت يوماً أسير في إحدى قرى صعيد مصر مع مجموعة من الفتية من جنوب شرق آسيا. ويبدو عليهم الصلاح والتقوى. وأرادوا أن يذهبوا إلى السوق. فهممت أن أسأل أحداً من سكان القرية عن مكان السوق. لكن نهرني أحدهم وقال لي: نحن لا نسأل إلا الله. ولعله حقاً كان الطريق الأقصر للسوق. وما أحوجنا اليوم إلى هذا اليقين، عله يكون الطريق الأقصر للنصر واستدعاء جبريل والملائكة للقتال معنا. قال تعالى: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.

خاتمة وتطلع إلى الحلقة القادمة

وكان لازماً طي بعض صفحات التاريخ سريعاً (وحطينا بكده التاريخ في معلقة). لأن ما سيلي سيكون المرتقب من تمحيض لمحات التاريخ. أو كما قيل: "من ينسى ماضيه محكوم عليه بتكراره". وتابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "رقعة الشطرنج الأخيرة"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب