الجزء الخامس | عوالم اياك نعبد واياك نستعين


مفاتيح عوالم إياك نعبد وإياك نستعين (المفتاح الخامس)
أهلاً وسهلاً بحضراتكم.
في الحلقة السابقة، كشفنا حقيقة 'الطريق الخاوي' وباب 'الكدح'. وعرفنا أن القلب هو الملك الذي يوجه العقل، وأن الابتلاء هو قدر السالكين في طريق 'إياك نعبد وإياك نستعين'.
وأن طريق 'إياك نعبد وإياك نستعين' ليس مفروشًا بالورود دائمًا. لكن قبل أن نذكر 'السلاح الأقوى' لمجابهة هذه الأزمات، وجب علينا أن نفصل ما أجملناه سابقًا عن أنواع الابتلاءات. يجب أن نعرف 'مسارات الرياح' وأشكالها، فقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ولكل ريحٍ سلاحٌ يناسبها. الاختبارات في هذا الطريق متنوعة، وسنذكر بعض الأنواع منها:
النوع الأول: ابتلاء ما في الصدور
قال تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
وتأتي هذه الاختبارات لتمحيص ما في القلب باختبارات تكشف أمراض القلوب الدفينة كالحسد والكبر وغيرها. وأشهرها منذ بدء الخليقة خطيئة (الحسد) التي تستدعي خطايا أخرى.
-
المشهد الأول: اختبار إبليس. كان طاووس الملائكة، عابدًا مقربًا بالرغم أنه كان من الجن وليس من الملائكة. لكنه سقط عند أول امتحان. ظهر حسده لآدم لأن الله شرفه، وأمر الله إبليس بالسجود إليه مع الملائكة. فاستدعى الحسدُ الكبرَ، فعصى الأمر ورفض السجود، فكانت النتيجة: الطرد واللعنة.
-
المشهد الثاني: حسد قابيل لأخيه هابيل. ولدي آدم عليه السلام. عندما قدم قابيل (وكان مزارعًا) وهابيل (راعي) قربانًا لله، فتقبل الله من هابيل لتقواه. ولم يطفئ نار حسده إلا باستدعاء خطيئة أعظم، وهي القتل، فكانت أول جريمة قتل في التاريخ.
-
المشهد الثالث: حسد إخوة يوسف. شعروا أن أباهم يعقوب عليه السلام يحب يوسف عليه السلام أكثر، فقادهم الحسد لإلقائه في الجب. بعد التخفيف من القتل أولًا إلى نهاية القصة. كل هذه 'أمراض قلوب' تظهر عند المحك والاختبار.
النوع الثاني: ابتلاء التكليف نفسه
فالتكليف هو كل من الأوامر والنواهي الشرعية التي جاءت على أيدي الرسل وفي الكتب المنزلة عليهم. وهو الاختبار بالأوامر والنواهي (افعل ولا تفعل)، وهنا يظهر المطيع من العاصي.
قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا اَ۬لَامَانَةَ عَلَي اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَّحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَاۖ وَحَمَلَهَا اَ۬لِانسَٰنُ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
فقد يثقل على البعض الصلاة، والبعض الآخر قد يثقل عليهم الصيام، وعلى بعض السيدات الحجاب مثلًا، أو كبح النفس عن الشهوات. وهذه كلها اختبارات في "افعل ولا تفعل" من أوامر الله على تنوعها.
وقد ضرب الله المثل الأعلى في النجاح بسيدنا إبراهيم: {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}؛ أي أتم الاختبارات بنجاح تام واستحق الإمامة.
"فَأَتَمَّهُنَّ" أي أتم إبراهيم الكلمات والاختبارات.
النوع الثالث: ابتلاء النقص والمصائب
وهناك المصائب العامة وهناك المصائب الخاصة، سواء في الجسد، أو المال، أو الأنفس.
قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
وممكن يقول قائل إن بعض هذه الابتلاءات تقع على الصالح والطالح. وفي الحقيقة نعم، لكن ينظر الله إلى قلب المرء. فإن وجده صابرًا شاكرًا فقد نجح، وإن وجده ساخطًا فقد سقط وفشل.
والمثال الأعظم هنا هو أيوب عليه السلام. مسه الضر، وفقد المال والأهل بعد رخاء دام 80 عامًا تقريبًا. ولما طلبت زوجته "رحمة" منه دعاء الله بتعجيل الفرج، سألها: كم لبثنا في الرخاء؟ فقالت: 80 سنة. فقال: إني أستحي من الله أن أطلب منه رفع البلاء ولم يمضِ عليّ فيه ما مضى عليّ في الرخاء. لأنه رأى أن المنع والعطاء كلاهما فضل من الله.
ولا محالة من الاختبارات الصعبة والمزلزلة لدخول الجنة.
قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
من لم يُبتلَ.. فليخشَ على دينه.
وحتى لا أطيل، سنذكر تباعًا بعض أنواع الابتلاءات الأخرى. وتابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
