فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء الأول: ما لم يذكر من قبل | معمارية القران

Cover Image for الجزء الأول: ما لم يذكر من قبل | معمارية القران
أحمد شاكر
أحمد شاكر

معمارية القرآن

فكرة معمارية القرآن: دواعي الطرح والتردد

منذ فترة طويلة من الزمن وأنا أفكر في هذا الموضوع. لقد ترددت كثيرًا في نشر هذا الموضوع (معمارية القرآن أو بنية القرآن) لعدة أسباب:

أولاً: أن هذا الموضوع لم يتطرق إليه ولم يتكلم عنه أحد من قبل، مما قد يجعل الموضوع غير مستساغ للبعض أو جديدًا عليهم (والإنسان عدو لما يجهل). ثانيًا: صعوبة تناول موضوع بهذا الحجم على منصة يوتيوب، منصة الوجبات السريعة. ثالثًا: انعدام المراجع لهذا الموضوع (لأنني كما قلت إن هذا الموضوع لم يتطرق إليه ولم يتكلم عنه أحد من قبل)، مما يجعل الموضوع أصعب وأطول في شرح جزئياته. رابعًا: الموضوع في تناوله أو فهمه يتطلب قدرًا كبيرًا من المعارف والعلوم، مما قد يشتت المتلقي. خامسًا: في النهاية قد يكون الموضوع بما يسمى بالسيمفونية غير الكاملة، أو بذرة لشجرة قد تمتد.

ولكن نصحني بعض الأصدقاء بنشر مقدمة وتعريف عنه، وحسب الاستجابة لهذا الموضوع، إما أن أكمل أو لا. لذا، في الحقيقة قد أكمل هذه السلسلة أو قد أتوقف وأكتفي بالإشارة للموضوع في هذه الحلقة، حسب استجابة المتلقي للموضوع. وعلى نفس القواعد السابقة في هذه السلسلة، سوف أكون مختصرًا قدر المستطاع حتى لا يمل المتلقي (اختصارًا غير مخل). ومبسطًا للمفاهيم الأساسية دون الدخول في تعقيدات وشجرة العلم التي لا تنتهي. وصدق الله العظيم: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ وكذلك ألا تطول أي حلقة عن 10 دقائق.

العلم والعقل واللغة: أدوات التفكير الإنساني

ونبدأ بمفهوم العلم الذي أساسه العقل الذي خلقه الله للتفكر في آيات الله. قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الرعد: 3].

وقال تعالى: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿٤٤ الفرقان﴾

وأداة العلم هي العقل الذي يفكر في كل شيء. وابتداءً، اللغة هي أداة التفكير فلا تفكير دون لغة. ولا لغة دون كلمات، ولا كلمات دون حروف. والحروف المقطعة في بداية سور القرآن إشارة إلى ذلك. وكل كلمة لها معنى مجرد معين، وهي ما تسمى بالأسماء (وهو اختزال قدر من المعلومات في أقل صورة مجردة سمعية أو مكتوبة). قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (31) ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ (32) البقرة 31

أي أن الله بنفسه علم آدم عليه السلام الحروف والكلمات والأسماء، لأن دون هذا التعليم الإلهي فلا تفكير للعقل أصلاً. وتوارثت الأجيال فيما بعد هذا التعليم من جيل إلى آخر.

تطور المعرفة وظهور أنظمة التصنيف

ومع تراكيب الكلمات وخروج الجمل للمفاهيم المختلفة، نشأت الموضوعات. فالعلم بدأ بسيطًا ثم عبر الزمان أصبح شيئًا فشيئًا أكثر تعقيدًا. وأصبح العقل مجبولًا على التصنيف. ويظهر لنا بوضوح تصنيف ديوي العشري. وهو أول نظام تصنيف من نظم تصنيف العلوم بالمعنى الحديث وأكثرها شهرة في نفس الوقت. اخترعه ملڤل ديوي. وقد صدرت الطبعة الأولى منه عام 1876 م. ويقوم هذا النظام على تقسيم المعرفة البشرية إلى عشرة أقسام رئيسية ويتفرع كل واحد من الأقسام الرئيسية إلى عشرة شعب تمثل التفريعات الرئيسية للموضوع. كما أن كل شعبة تتفرع بدورها إلى عشرة فروع حسب طبيعة الموضوع، وهكذا ينقسم كل فرع إلى عشرة، وبذلك يمكن أن يستمر التقسيم العشري إلى ما لا نهاية. وكذلك تظهر لنا إسهامات جون ديوي في التربية الحديثة على المستوى العالمي في حل مشاكل التفكير والتصنيف أساسها أيضًا.

تصنيف العلوم الدينية: تساؤلات حول بنية القرآن

ومع القرآن والسنة، وهما المصدر الرئيسي للدين، قمنا نحن البشر بعمل تلك التصنيفات أيضًا، فخرجت الجامعات والكليات وأصبح عندنا علوم مصنفة من قبيل: القرآن والتفسير، والعقيدة، والفقه والشريعة، وعلم الحديث، وأصول الدين والدعوة، واللغة، والتاريخ، والتراجم والسير، وسيرة الأنبياء، وإلى آخره. لكن السؤال المطروح، وهو لب موضوعنا: لماذا لم ينزل القرآن مصنفًا حسب الموضوعات؟ أو بالطريقة التي نؤلف نحن بها الكتب، الترتيب العقلي المنطقي؟

مصنفًا إلى أبواب أو سور للفقه ثم فروعه، وأبواب أو سور لسيرة الأنبياء وفروعها، وأبواب للعقيدة وفروعها، وهكذا. كما نحن صنفنا ذلك فيما بعد لسهولة فهم القرآن والسنة والاستدلال، ونشأ عنه الجامعات والكليات.

القرآن: بنية فريدة تتجاوز التصنيف المنطقي

ونجد في القرآن الكريم أن في السورة الواحدة عدة موضوعات ليس لها ترتيب كترتيبنا، الترتيب المنطقي في تأليف الكتب. وكل موضوع يمكن أن تكمله في سورة أخرى أو في موضع آخر مع تكرار الموضوع في أكثر من موضع. ومثال ذلك تجد مثلاً أن قصة سيدنا موسى رويت متفرقة على 10 مواضع، ولم تجتمع في سورة واحدة. وهو ليس على صياغة ترتيبنا وتصنيفنا، بل له بنية فريدة.

ترتيب القرآن: بين التوقيف والاجتهاد

وإذا قال قائل إن القرآن نزل حسب أسباب التنزيل، أرد وأقول له إن القرآن قد تم إعادة ترتيبه. فمن المعروف أن القرآن الكريم نزل عن طريق الوحي إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام على شكل آيات متفرقة. وكانت الآيات والسور تكتب في عهد الرسول عليه السلام على الرقاع والعسب وأوراق الأشجار والحجارة والعظام، ولكنها كانت غير مرتبة ولا مجموعة في كتاب واحد. وبعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، توجه الصحابة رضي الله عنهم إلى تدوين القرآن وترتيبه كما أنزله الوحي إلى سيدنا محمد، وكما أشار إليهم الرسول عليه السلام عن موقع الآيات وترتيبها. وتم التدوين للحفاظ على القرآن من الضياع والتحريف، فجمعوه في عهد عمر بن الخطاب في مصحف كبير.

ورتبت سور القرآن بسورة توقيفية كما أنزلها الوحي على محمد عليه الصلاة والسلام. فكان يقول الوحي للرسول موضع السورة والآية، والرسول عليه السلام يقول للصحابة موضع الآية والسورة. وقال الكرماني في البرهان: "ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان صلى الله عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين، وكان آخر الآيات نزولاً: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه ﴾ فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين."

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ (281) البقرة 281

البنية المعمارية للقرآن: تجاوز للحدود الزمنية والمكانية

فجمع الآيات في السور هو ترتيب توقيفي. هذا بخلاف الترتيب الاجتهادي: هو اجتهاد الصحابة في ترتيب القرآن الكريم ترتيب السور فقط، وهذا الاتجاه الإجماع عليه قليل؛ لأنّ أغلب العلماء توجهوا إلى الاتجاه التوقيفي. مثال ذلك في ترتيب السور فقط، فمنهم من رتبها على النزول وهو مصحف عليّ كان أوله اقرأ ثم المدثر ثم نون ثم المزمل وهكذا.

لكن في الحقيقة، إن القرآن لم يرتب حسب الموضوعات (رغم سهولة تناوله لنا) لأن له بنية ومعمارية فريدة، وهو ما نحاول أن نستكشفه في هذه الحلقات. وذلك لأن بنية القرآن تتناول كلا عالمي الجسد ومنها العقل، والروح ومنها النفس. وكذلك لأن التصنيف يحدد القرآن وعطاءه، لكن عطاء القرآن ممتد عبر الزمان والمكان. دمتم على خير وتابعونا في الفصل التالي إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "معمارية القران"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب