الجزء الرابع: البجعة السوداء | المطارق الربانية على المخططات الماسونية


المطارق الربانية: رحلة في مخططات البجعة السوداء
مقدمة السلسلة ومفهوم البجعة السوداء
أهلاً وسهلاً بحضراتكم. في الحلقة الرابعة لنا من سلسلة المطارق الربانية على المخططات اليهودية. سنواصل رحلتنا، وستكون أشبه بضربات الفرشاة التمهيدية لرسم الصورة الكلية. وسوف نستكمل ما انتهينا به في الحلقة السابقة حول مخططات البجعة السوداء، وهو التكتيك الثاني في إدارة المؤامرات الشيطانية. والبجعة السوداء هنا نبضة عالية وسط الموجة التقليدية للنبضات. والبجعة السوداء نقيض البجعة البيضاء، تبعًا لقانون الأضداد أو الزوجية، وهو قانون الله في الكون كله. فمن قانون الزوجية خلق الله الحياة والموت والحياة... والحياة أيضًا تخضع لقانون الزوجية وتنقسم إلى الإنس والجن. والإنس منقسم إلى ذكر وأنثى. والذكر أو الأنثى منقسم إلى جسد وروح أو نفس، وهكذا إلى ما لا نهاية. فقانون الزوجية هو قانون الله الذي وضعه في جميع مخلوقاته حتى يكون مغايرًا لأحدية الله الواحد الأحد الذي لا يتجزأ. وسنذكر في الفصول التالية ماهية أحداث البجعة السوداء وظهورها في جميع المستويات السابق ذكرها.
البجعة السوداء في التاريخ: وعد بلفور وتأسيس إسرائيل
ظهور وطن لإسرائيل من العدم: 67 كلمة على ورقة واحدة. وكان الشيطان الذي كان يدير مخططات الفساد في السابق لصالح الصهيونية هي بريطانيا، قبل تربع الولايات المتحدة الأمريكية على عرش الشيطنة بعد الحرب العالمية الثانية. وبالطبع، كان نقل هذه السلطة بتخطيط مسبق أيضًا.
وكما قدم المؤرخ البريطاني الشهير السير مارتن غيلبرت كتابًا باسم (تشرشل واليهود)، يكشف بشكل غير مسبوق أن ونستون تشرشل (1874-1965)، رئيس وزراء بريطانيا الأشهر، لعب هو الآخر دورًا بارزًا في وضع «حجر الأساس» لإقامة إسرائيل على أرض فلسطين، وعلى حساب الشعب الفلسطيني. وبداية أبلسة الحكومة البريطانية كان وعد بلفور المشؤوم. وعد بلفور.. وعد من لا يملك لمن لا يستحق.
تعتبر الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطانية عام 1917 إلى اللورد ليونيل روتشيلد، أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة، والتي عرفت فيما بعد باسم وعد بلفور، أول خطوة يتخذها الغرب لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين. وقد قطعت فيها الحكومة البريطانية تعهدًا بإقامة دولة لليهود في فلسطين.
وعد بلفور، أو إعلان بلفور، بيان علني أصدرته الحكومة البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى لإعلان دعم تأسيس «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، التي كانت منطقة عثمانية ذات أقلية يهودية (حوالي 3-5% من إجمالي السكان). الذي مارس على الشعب الفلسطيني تطهيرًا عرقيًا وتغييرًا جغرافيًا وبنى المستوطنات. ولم يتبق للفلسطينيين إلا 15% من مساحة أراضيهم. وعد أنشأ شقين: إنشاء وطن قومي لليهود مع الإضرار بحقوق الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون أكثر من 90% من السكان آنذاك. لكن بريطانيا، التي احتلت فلسطين بين عامي 1920 وحتى 1948، سلمتها لاحتلال آخر وتنصلت من تنفيذ ما يتعلق بالفلسطينيين. وحتى لم تقدم اعتذارًا رسميًا للشعب الفلسطيني.
تعريف البجعة السوداء: أحداث مفاجئة وغير متوقعة
أو هي في الأغلب وقوع حدث مفاجئ غير متوقع. أو كما في الأحداث التاريخية، وقوع أحداث لم يكن من الممكن التنبؤ بها. أو احتمال وقوعها غير وارد على الإطلاق.
البجعة السوداء في الفيزياء: صراع النظريات
البجعة السوداء في ظهور عالمين متضادين يحكمان عالم المادة نفسها. ففي عام 1926، أرسل ألبرت أينشتاين، وهو الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1921، إلى نيلز بور، وهو أيضًا الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1922، أرسل له رسالة مفادها: «إن الله لا يلعب النرد». ورد عليه نيلز بور قائلًا: «لكن لن تحدد ما سوف يفعله الله». ومن هنا نشأت أول مشكلة حقيقية في عالم الطبيعة من حولنا. بدأت القصة عندما ظهرت بعض الإشكاليات والظواهر الطبيعية التي لم تستطع قوانين الفيزياء الكلاسيكية تفسيرها. وظهر لأول مرة عالمان متضادان يحكمان عالم المادة نفسها. عالم الأجسام المنظورة والكبيرة، وعالم الأجسام الصغيرة على المستوى الذري.
مستويات البجعة السوداء وتخطيطها الخفي
وتقوم هذه النظرية على الفكرة السائدة بأن البجع كله أبيض، أما وجود البجع الأسود فهو نادر ومفاجئ. ولها عدة مستويات: على مستوى الفرد والجماعة، وعلى مستوى الأحداث التاريخية، وعلى المستوى الاقتصادي أيضًا. لكن بالطبع، لها تخطيط مسبق أيضًا.
البجعة السوداء في تحول الحسد إلى سفك الدماء
عندما أخبر الله الملائكة بإرادته أن يجعل في الأرض خليفة. تساءلت الملائكة عن حكمة خلق آدم المخلوق من طين، وقد نما إلى علمهم الجرائم التي سوف يرتكبها وعلى رأسها سفك الدماء. قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)
وبغض النظر عن كيفية عرفت الملائكة بجرائم بني آدم، فهناك عدة تفسيرات وتحليلات لا يتسع المقام لذكرها هنا. لكن أكبر جريمة، كما ذكرتها الملائكة، فهي سفك الدماء. واختبر الله إبليس، وكان من الجن ومقربًا من الله ومقربًا من الملائكة لطاعته لله، وسمي طاووس الملائكة. لكن عصى الله ورفض السجود لآدم. قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)
وإبليس لما غوى، من كان إبليس؟ في الحقيقة، هي نفس إبليس. وكانت أول خطيئة هي خطيئة إبليس، وهي الحسد التي أورثته الكبر وعصى أمر الله المباشر له بالسجود لآدم.
قانون الزوجية: أساس الفهم الشامل للبجعة السوداء
أن أحداث البجعة السوداء تعتمد على المُرَاقِب (المُشَاهِد المُتَخَصِص في فرع ما). على سبيل المثال، قد يكون ظهور حدث لا يمكن التنبؤ به هو أمر مفاجئ بالنسبة للديك الرومي، ولكنه ليس مُفَاجِئًا بالنسبة للجزار! لذا، فإن الهدف من النظرية هو «ألا يكون الإنسان مثل الديك الرومي». هذا يعني أن على الإنسان أن يمتلك القدرة على التنبؤ بالأحداث السيئة قبل وقوعها وتحويل البجعات السوداء إلى بيضاء.
وأصبح عالم المادة يحكمه قانون النسبية لألبرت أينشتاين للأجسام الكبيرة، وقانون الكوانتم لنيلز بور وغيره للأجسام الذرية. وهو علم مبني على عدم اليقين، فالقمر قد يكون في مكانه أو في مكان آخر في نفس الوقت. بخلاف المعتقدات الفيزيائية الصارمة بالقوانين الرياضية التي لا تقبل بمبدأ الشك، وهذا ما رفضه ألبرت أينشتاين. وفشل أينشتاين أن يضع قانونًا موحدًا لهما، وفشلت نظريته نظرية كل شيء، واعتزل العالم العلمي قبل وفاته. وجاء بعده محاولات كثيرة للجمع بين هذين العالمين، وربما آخرها تطوير نظرية الأوتار الفائقة لميتشيو كاكو. وألف كتابه باسم «معادلة الله: البحث عن نظرية كل شيء». لكن ما غاب عن هؤلاء العلماء لمدة تزيد عن قرن هو أن الكون المنظور المخلوق لله يحكمه قانون الزوجية المفعل في جميع مخلوقات الله، مغايرًا لأحدية الله. قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)
ومن هنا يتضح أن قانون الزوجية محكوم به العالم كله على جميع المستويات الفيزيائية والنفسية. مثل الليل والنهار، والموجب والسالب، والخير والشر، والذكر والأنثى، والجسد والنفس، وإلى ما لا نهاية. وحتى النفس البشرية يحكمها قانون الزوجية، وأيضًا يحكمها قانون الفجور والتقوى. قال تعالى: وَنَفۡسࣲ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧ فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ١٠﴾
وهو الصراع النفسي الذي يدور في نفس الإنسان بين الخير والشر، تبعًا لقانون الزوجية. أو ما يسمى في علم النفس بـ «الراشد الذي يوازن بين الطفل والأب»، أو حسب تعبير القرآن بـ «النفس اللوامة».
البجعة السوداء على المستوى الفردي: من الهواجس إلى سفك الدماء
أن أحداث البجعة السوداء على المستوى الفردي تنبع من الهواجس النفسية وتنقلب إلى سفك الدماء. وبعد أن طرد الله إبليس من رحمته وأقسم لله أنه سوف يغوي جميع البشر إلا عباد الله المخلصين. بدأ إبليس، بعد إغوائه لآدم وطرده من الجنة، اللعب على أولاد آدم قابيل وهابيل. وهو دائمًا يلعب على جزء الفجور الموجود داخل النفس البشرية. فأشعل نيران الحسد، الخطيئة الأولى، في قلب قابيل، وهو يعلم أن هذه الخطيئة سوف تؤدي إلى سفك الدماء. وفعلاً، قتل قابيل أخاه هابيل إلى آخر القصة. ومن هنا بدأ مسلسل سفك الدماء، وهو ما أزعج الملائكة في بداية خلق آدم. وكما حدث أيضًا مع يوسف عليه السلام حين أشعل إبليس الحسد في قلوب إخوته أيضًا ضده، وكادوا أن يقتلوه لولا تراجعهم عن ذلك. وعملية القتل هذه ذاتها تسمى «البجعة السوداء». وهي وقوع حدث مفاجئ غير متوقع. لكن من الشرح السابق، يتضح أن هذا الموضوع يسبقه تحضير خفي غير منظور، فتقع الأحداث فجأة. وكما حدث ذلك في الحرب العالمية الأولى، اندلعت من مقدمات لا يمكن أن تؤدي إليها. أو كما يقولون: «طلقة رصاص تشعل حربًا». لكن بالطبع، يسبقها تكتيك خفي، وذلك كما سنشرح. قال تعالى: «كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين». كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
مسار الحرب العالمية الثانية ودور الدولة العثمانية
أما كيف تغير مسار الحرب العالمية الثانية؟ وبعد أن كانت الدولة العثمانية عقبة أمام اليهود لإقامة دولتهم بفلسطين. وكما شرحنا سابقًا ما دار سنة 1901 ما بين هرتزل والسلطان عبد الحميد الثاني، سلطان العثمانيين.
وبعد إعلان المملكة المتحدة الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر 1914، بدأ مجلس وزراء الحرب البريطاني حالًا في النظر في مستقبل فلسطين. وبحلول أواخر 1917، قبيل إعلان بلفور، ووصولها في الحرب العالمية الأولى إلى طريق مسدود، إذ لم تشارك حليفتا بريطانيا بالحرب بشكل كامل؛ فالولايات المتحدة لم تعانِ من ضرر كبير بسبب الحرب، وكان الروس في خضم ثورة 1917. كسرت حالة الجمود جنوب فلسطين بقيام معركة بئر السبع في 31 أكتوبر/تشرين الأول عام 1917.
دمتم على خير، وتابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "المطارق الربانية على المخططات الماسونية"
- الجزء الأول: العين التي تري كل شئ
- الجزء الثاني: الرجل الابيض
- الجزء الثالث: ذئاب يلوستون
- الجزء الرابع: البجعة السوداء2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الخامس: شبكة العنكبوت
