الجزء الثاني | انا والآخر ( إشكالية العقل والنقل )


أنا والآخر: إشكالية العقل والنقل (الجزء الثاني - رؤية أحمد شاكر)
الغرفة الثانية
الحسن البصري رحمه الله كان من كبار التابعين الزهاد، ومشهورًا باستغنائه عن الناس. وزهد في ما عند الملوك، فرغبوا في ما عنده. وكان سيد أهل زمانه علمًا وعملًا. وكان من ضمن تلاميذه واصل بن عطاء. وطرح موضوعًا أثار خلافًا كبيرًا بينهم، والسؤال هو: هل مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق أم كافر؟ قال الحسن البصري أن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق. أما واصل بن عطاء فأصر على أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا ولا كافرًا، بل في "منزلة بين المنزلتين". واعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري. ونشأت فيما بعد الفرقة الكبيرة: فرقة المعتزلة، الممتدة آثارها إلى اليوم. وربما يبدو هذا السؤال سؤالًا عابرًا يمكن أن يمضي كأي سؤال، أو حتى يمكن أن يكون دون أي إجابة. وما زال مؤيدو فكر المعتزلة وناقضوها حتى اليوم مستمرون في النزاعات بينهم. ولا يخلو الموضوع من تكفير كل طائفة للأخرى.
وطبعًا فكرة المعتزلة لا تقتصر على هذه الجزئية. لكن محور الفكر هو رفع العقل على النقل.
ونحن في هذه المسيرة نضع ومضات في كافة الاتجاهات. حتى نصل إلى عمق التحليل والأسباب المؤدية إلى الاختلاف.
ونحن ليس بصدد نقض أي فكر كان، وهل هو صحيح أو غير صحيح، أو مؤيد أو معارض. فهذا ليس مجال هذا المقال.
لكن سنحلل في النهاية الأسباب المؤدية لأي اختلاف كان، في أي مدرسة فكرية كانت.
ابن تيمية: شيخ الإسلام
إذا أطلق لفظ "الشيخ" فلربما يتبادر إلى الذهن ابن تيمية. وهو صاحب فكر جبار. ومدرسته إحياء لمدرسة قديمة منبثقة من الحنابلة. وهو يُعلي النص على العقل، في نقيضٍ لفكر المعتزلة. وكان رائدًا في الرد على أفكار فلسفية ومنطقية أخذت تظهر في زمانه.
ورفع تلاميذه مكانته عاليًا، ورفعوا مناقبه. وأطلقوا عليه "ابن تيمية شيخ الإسلام". وكذلك بدأوا بتكفير كل الفرق الأخرى.
ودائمًا أسهل للفكر أن يكون رأيًا واحدًا صحيحًا، وما عداه خطأ. أو ما يسمى بلغة الألوان "أبيض وأسود".
لكن في عمق الحقيقة لا تسير الأمور هكذا. بل باختلاف الألوان ودرجاتها. وبين الأبيض والأسود مئات من درجات الرمادي.
فالموضوع أكثر تعقيدًا بكثير مما يظنه العوام.
وتأتي الرياح بلا تشتهي السفن.
لم يسكت منتقدوه في عصره. فها هو تقي الدين السبكي قال عن ابن تيمية: إنه منافق وزنديق كافر.
وها هو ابن حجر العسقلاني يقول: ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله.
أما أشدهم انتقادًا، أبو عبد الله علاء الدين البخاري، قال: إن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام فهو بهذا الإطلاق كافر.
وكذلك ذمه الإمام الذهبي السبكي.
فواضح أن الموضوع لم يأخذ شكل آراء مختلفة كما يبدو للعوام. بل يصل إلى حد التكفير وسباب كل طائفة للأخرى.
أبو الحسن الأشعري يعتزل المعتزلة
كان أبو الحسن الأشعري معتزليًا متضلعًا. وتتلمذ على شيخ المعتزلة أبي علي الجبائي. ودافع عن عقائدهم وفنونهم الكلامية في جدالاتهم.
لكنه بعد ذلك اعتزل الناس فترة كبيرة من الزمان. وانكب على القراءة والدراسة. حتى خرج للناس بالمدرسة الجديدة، الفكر الأشعري.
تابعونا في الجزء التالي.
🔗 أجزاء سلسلة "انا والآخر ( إشكالية العقل والنقل )"
- الجزء الأول
- الجزء الثاني2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن
- الجزء التاسع
- الجزء العاشر
- الجزء 11
- الجزء 12
- الجزء 13
