الجزء الرابع: الثابت والمتغير | معمارية القران


معمارية القرآن: قانون الثابت والمتغير ومحورية الله
واستكمالًا لموضوع معمارية القرآن، توقفنا في الحلقة السابقة عند مفهوم العقل والقلب في القرآن.
قانون الثابت والمتغير: مفهوم كوني
ولقد قلنا إن الله واحد أحد لا يتجزأ. خلق ما دونه مغاير لذاته واحديته. وهنا نستعرض قانون الثابت والمتغير. وهو من المفاهيم الكونية التي تجري على كل شيء. وهذه القوانين موجودة منذ الأزل. لكن في هذا المقال نسلط عليها الضوء. فلربما فعاليات الكون تكون كالتفاحة التي سقطت على رأس نيوتن فأنارت له الفكرة. ولا يمكن قياس أو انضباط المتغير دون الثابت في العلم والفن. ولقد قلنا إن النسبية أوضحت أن سقف الفيزياء الثابت الكوني هو سرعة الضوء. والكل متغير من حوله بما فيها الزمن.
الإعجاز العلمي: سرعة الأمر وسرعة الضوء
قال تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) السجدة: 5
واختلف العلماء حول معنى الأمر. لكن التفسيرات القديمة لا توضح أي شيء ذي معنى واضح. لكن في العصر الحديث، أظهر الإعجاز العلمي للقرآن أن الأمر المقصود به سرعة الضوء. فما سرعة الأمر؟ يقطع الأمر ألف سنة مما نحسب، وهو على الحسابات القمرية. (لأن العرب لم يكونوا يعرفون السنة الشمسية). والسنة القمرية اثنا عشر شهرًا قمريًا. والشهر القمري قُدّر بدقة بطول تقريبًا 2.4 مليون كيلومتر. ثم يُضرب 2.4 مليون كم × 12 فيعطيني مسافة السنة القمرية. ثم يُضرب في 1000 فيعطينا طول 1000 سنة قمرية. والأمر يقطع هذه المسافة في يوم واحد. ومنه يمكن حساب ما يقطع في الثانية الواحدة. فتكون سرعته أكبر قليلًا من سرعة الضوء المقدرة بـ 300 ألف كيلومتر في الثانية. ولكن مع إلغاء جاذبية الشمس على القمر، نصل من الحسابات إلى سرعة الضوء مضبوطة بالكسر العشري الثالث. وهو مبحث طويل ودقيق للدكتور منصور حسب النبي ومعاونيه، أستاذ الفيزياء بجامعة عين شمس. ولا يتسع المقام هنا لشرحه شرحًا كاملًا. ولقد أسلم عالم روسي وغيره بعد عرض هذا الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
الله هو الثابت المطلق: نظرة كونية
فالضوء هو رمز كوني مخلوق لنور الله الثابت الذي يدور ويتغير كل شيء حوله. فالله هو الثابت المطلق، والكل يتغير من حوله سبحانه وتعالى. ومثال ذلك أن الثابت في المجموعة الشمسية هو الشمس. وكل الكواكب بما فيها الأرض تدور حولها. لكن المجموعة الشمسية ككل، بما فيها الشمس والأرض، وكل المجموعات الأخرى من النجوم، تدور حول مركز المجرة، الثقب الأسود. والمجرات أيضًا تدور وهكذا. فالمجموعة تدور حول ثابت. ومن ثم المجموعة مع الثابت مع المجموعات الأخرى تدور حول ثابت آخر وهكذا إلى ما لا نهاية. وفي النهاية، الكل يدور حول ثابت مطلق هو الله، من أصغر الأجسام إلى أكبرها.
الحركة الكونية في القرآن وفلسفة الطواف
قال تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) يس: 40
وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) الأنبياء: 33
فالكل متغير عدا الثابت الوحيد المطلق هو الله سبحانه وتعالى. وهو ما يفسر فلسفة الطواف حول الكعبة. تأكيدًا على أن الكل متغير يطوف ويدور حول الثابت المطلق، وهو الله سبحانه وتعالى.
محورية الله في نسيج القرآن الكريم
ونجد في القرآن الكريم متغيرات كثيرة من قصص الأنبياء والصالحين والجنة والنار والعقيدة والشريعة وأحكام كثيرة وغيرها من الموضوعات المتنوعة والمختلفة. لهم رابط واحد في القرآن الكريم وهو الله. وهو ما يربط كل الموضوعات المتنوعة معًا مع بعض. وستجد أن الله هو المحور الثابت في كل آيات القرآن أو في كل مجموعة من الآيات. وستجد نفسك عند قراءة القرآن تدور مع المتغيرات حول ثابت واحد هو الله. وهو ما يجعلك حيًا مع القرآن. وهو فلسفة الصلاة والطواف. وهذا عكس أي موسوعة مثلًا لا يمكن أن تجعل بها محورًا واحدًا لكل الموضوعات.
خاتمة
دمتم على خير. تابعونا في الفصل التالي إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "معمارية القران"
- الجزء الأول: ما لم يذكر من قبل
- الجزء الثاني: قانون الزوجية
- الجزء الثالث: بين العقل والقلب
- الجزء الرابع: الثابت والمتغير2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الخامس: الجسد والروح والنفس
- الجزء السادس: الاكوان المتوازية
