الجزء الثالث: الديمقراطية | عندما يختار الله الحاكم


المنهج القرآني في الحكم: بين الديمقراطية ومفهوم الخلافة
مراجعة سريعة: الديمقراطية والمنهج القرآني
توقفنا في الحلقة السابقة عند مفهوم الديمقراطية وحكم الأغلبية، والمنهج الوسطي للقرآن الكريم. هذا المنهج لا شرقي ولا غربي، بل هو فريد لا يتبع الغرب ولا الشرق. وببساطة، كما ذكرنا سابقًا، فإن عموم الناس والمجتمع يُصنّفون من "العملاقة" حسب وصف أفلاطون، ومن المتخصصين غير المؤهلين لاتخاذ القرارات الصائبة. يختلف هذا عن الحاكم العادل المدعوم من الله، والقادر على اتخاذ القرارات الصائبة.
قياس المجتمع على الأسرة: حدود دور الديمقراطية
تخيل ماذا يحدث لو أن الأطفال في منزلك هم من يتخذون قرارات الأسرة بناءً على الأغلبية. إن حال الأسرة هذا يماثل حال المجتمع. إذا كان الشعب يحكم نفسه بالأغلبية، فسيكون دور الحاكم جزئيًا. لكن الديمقراطية ليست خطأ في مجملها؛ حيث يمكن أن تكون المجالس النيابية أو مجلس الشعب وخلافه بديلًا لمجلس الحل والعقد، كما هو الحال في عصر الخلافة الراشدة. هذا ما يُسمى بمجلس المشورة.
أهمية المشورة في القرآن الكريم
قال تعالى: "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ".
الفروقات الجوهرية بين مجلس الحل والعقد والمجالس النيابية
الفرق بينهما أن مجلس الحل والعقد رأيه استشاري للحاكم، أما المجالس النيابية فرأيها مُلزِم بالأغلبية، كما هو الوضع اليوم. هذا بخلاف أن مجلس الحل والعقد يتألف من النخبة وأصحاب الرأي. إنها نُخبة صالحة، وثُلة مختارة من عقلاء الأمة ومفكريها، وعلمائها ومثقفيها. وهذا ليس هو الحال اليوم.
النجاح الجزئي للديمقراطيات الغربية مقابل النجاح الكلي في الإسلام
حتى وإن نجحت بعض الديمقراطيات في إصلاح شؤون العباد، كما نرى منها أمثلة في عالم الغرب اليوم. لكن هذا النجاح جزئي فقط. ذلك لأن النجاح الكلي هو النجاح في الدنيا والآخرة، وهو ما يغيب عن حكام اليوم على المجمل.
تناقض الأهداف: إنقاذ الدنيا مقابل نجاة الآخرة
فما الفائدة من إنقاذ الناس من الفقر والجهل والمعاناة والأمراض بالتأمين الصحي والنظم الاقتصادية وخلافه، حسب النظم السياسية حاليًا؟ إنها فقط تنقذهم من نار الدنيا إلى جحيم الله ونار الآخرة. وهل أهداف الدين هي نفسها أهداف الحكم؟ في الحقيقة، أهداف الدين قد تتناقض مع أهداف الآخرة.
تضارب أهداف الأنبياء والسياسيين
فهدف النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو إخراج الناس من نقمة الله إلى رحمة الله، حتى وإن فسدت الدنيا. أما هدف السياسي فهو إخراج الناس من نقمة الدنيا إلى نعيم الدنيا، حتى وإن فسدت الآخرة. فالهدفان متناقضان.
شعب أبي طالب: دروس من حصار بني هاشم
ودليل ذلك هو حال محاصرة بني هاشم في شعب أبي طالب. حين قرر المشركون أن يقوموا بمحاولة جديدة لمحاربة النبي (صلى الله عليه وسلم) ودعوته، وهي المقاطعة لجميع بني هاشم وفرض حصار اجتماعي واقتصادي على المسلمين. فكان المحاصرون يقاسون الجوع والحرمان في كثير من الأيام أثناء الحصار. ولقد بلغ الجوع والحرمان حدًا جعلهم يأكلون الأعشاب وأوراق الأشجار وكل ما يقع تحت أيديهم من نبات الأرض. وقد أكل وقتها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه قطعة من جلد بعير يابسة. وكان النبي يأمرهم فقط بالصبر. فلو كان سياسيًا، لكان قدّم تنازلات كثيرة للخروج من هذا المأزق.
توفيق الأهداف: إصلاح الدنيا بقانون الأولويات
ورغم تناقض هدف الدين مع السياسة، لكن يمكن أن يدخل إصلاح الدنيا مع هدف الدين، بشرط تطبيق قانون الأولويات. ففي المرتبة الأولى هو الدين وحب الله ورسوله. ثم تأتي في المرتبة العاشرة إصلاح الدنيا.
أولوية حب الله ورسوله: الآية الكريمة من سورة التوبة
قال تعالى: "قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" (سورة التوبة، الآية 24).
دائرة الفسق: عواقب اختلال الأولويات
فكل ما ذكر الله من المحبوبات هو من الحلال وليس من المحرّم، كحب الأب والابن والأخ والزوجة والتجارة وإلى آخره. ورغم ذلك، قال الله عنهم إنهم فاسقون لتقديم حب الدنيا عن حب الله ورسوله. فبمجرد اختلال قانون الأولويات من عمل قلبيٍ بحت وهو الحب، دخل فاعله في دائرة الفسق. فما بالك بالأعمال الفعلية!
اختبار إبراهيم عليه السلام ودور الحاكم الصالح
لذا، اختبر الله سيدنا إبراهيم عليه السلام في أيهما أحب إليه: ابنه إسماعيل، أم تنفيذ أمر الله بذبحه. ومن هنا، فإن دخول إصلاح الدنيا بهذه الشروط في أعمال الحاكم والسياسي هو مقبول. ومن هنا يأتي دور الحاكم الصالح الملهم، ذو بَسطة العلم والجسم، في توجيه الشعوب لصلاح الآخرة والدنيا.
معضلة اختيار الحاكم العادل في زماننا
ولكن قد يسأل سائل ويقول: إن الله قد اختار أنبياءه، واختار الملك أو الحاكم العادل لبعض الأمم. لكن نحن، كيف سنعرفه ونختاره؟ ولا بديل غير اختيار الأغلبية.
قاعدة الثلثين: حلول مقترحة لاختيار الحاكم
وأقول: لو كان تقريبًا ثلثا الشعب من الصالحين، فحينئذٍ نظام الحكم المتبع سيكون: إما عن طريق مجلس الحل والعقد، وهو من النخبة التي ستختار الأصلح بناءً على ما ذكرناه سابقًا. أو نظام الحكم المتبع بالانتخاب بالأغلبية، فسيكون مجمل الشعب من الصالحين، فسوف يختارون الأصلح أيضًا.
مصدر نسبة الثلثين: حديث الغار
ونسبة الثلثين أخذتها من حديث طويل في صحيح البخاري، عن قصة الثلاثة الذين حُبسوا في الغار، لمن شاء أن يرجع إليه. ذلك لأن انفراج الصخرة بالثلثين يمكن للمجموعة الخروج والنجاة.
عواقب فساد الأغلبية: الحاكم يمثل الشعب
أما إذا كانت أغلبية الشعب من الفاسدين، فسيأتي اختيارهم للحاكم الفاسد حتمًا، وليس لمن يُصلح أحوالهم. ويمكن الاستئناس بقول النبي (صلى الله عليه وسلم)، وإن كان حديثًا ضعيفًا: "كما تكونوا، يُولَّى عليكم".
الإصلاح من القاعدة: منهج الدعوة النبوية
لذا، وفي هذه الحالة، لا بد أن يأتي الإصلاح من قاعدة الهرم، أي القاعدة الشعبية بالعمل الدعوي، وليس من رأسه بالحكم والسياسة. كما بدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) فردًا واحدًا بالعمل الدعوي على القاعدة الشعبية، وليس بمناطحة قريش في الحكم.
الوعد الإلهي بالاستخلاف والتمكين
قال تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ". أي أن التمكين في الأرض يأتي بعد الصلاح والإصلاح.
أخطاء المناطحة في الحكم دون فهم القاعدة النبوية
وهذا خطأ وقع فيه الكثيرون؛ اعتمدوا على المناطحة في الحكم ابتغاء الإصلاح، لكنهم غير مدركين للقاعدة السابقة (الثلثين) التي ذكرتها آنفًا. ومن هنا، تجدهم خالفوا منهاج النبوة في الإصلاح، لذا لم يُكلل لهم النجاح.
حكم الحاكم الفاسد: الكفر والظلم والفسق
وسيكون حكم الحاكم الفاسد في الأغلب ليس بما أنزل الله، لاختلال قانون الأولويات عنده. قال تعالى: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ". وقال تعالى: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ". وقال تعالى: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ". هذه المراتب الثلاث هي الكفر والظلم والفسق، وهو ما سنفصله فيما بعد إن شاء الله في الحلقة القادمة. دمتم على خير، وتابعونا في الفصل التالي إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "عندما يختار الله الحاكم"
- الجزء الأول: طالوت
- الجزء الثاني: الفيلسوف
- الجزء الثالث: الديمقراطية2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الرابع: السادات
