الجزء الثاني: ملف اسكوديرو | طاقة التكوين


تجارب ناجحة لم تُعمَّم: تحليل لأسباب عدم الانتشار
مقدمة وسؤال الحلقة السابقة
أهلاً وسهلاً بحضراتكم. طرحنا في آخر الحلقة السابقة سؤالاً. كان عنوان تلك الحلقة: "طاقة التكوين بين السلب والإيجاب". نرجو ممن لم يشاهد الحلقة السابقة أن يشاهدها أولاً. السؤال كان: "لو أن مجرد لبس سلسلة أو غويشة بها رسم شكل من الأشكال السابق ذكرها يحقق الشفاء فعلاً أو يجلب طاقة الحياة، فلماذا لم ينتشر هذا الموضوع على نطاق واسع أو يصبح على الأقل المنافس الأكبر للطب الغربي؟". اليوم، سنوضح سريعًا عدة أمثلة لتجارب ناجحة أخرى. هذه تجارب متنوعة غير الموضوع الذي تحدثنا عنه. وهي أيضًا لم تنتشر. سنحاول تحليل بعض الأسباب لهذا الأمر. في النهاية، سيكون مجموع هذه الأسباب أو بعضها هو المسؤول عن عدم انتشار تجارب ناجحة ومتنوعة. من ضمن هذه التجارب الموضوع الذي تحدثنا عليه في الحلقة السابقة وهو "طاقة التكوين".
تجربة الطبيب الإسباني إسكوديرو: العلاج بالتفكير
وسنبدأ بأول تجربة للطبيب الإسباني إسكوديرو. يُسمونه "الملاك". إسكوديرو اخترع "العلاج بالتفكير". بدأ العمل به عام 1976. تم نشر نتائجه في إسبانيا عام 1998. يُعرف هذا أيضًا بـ "التخدير بالتفكير". وبهذا، كان إسكوديرو منافسًا لعلم التخدير الحالي، الذي يُعد كبيرًا جدًا ومتعدد الدراسات. مع خطورة علم التخدير الحالي، شهدنا عمليات ناجحة كثيرة. لكن السبب في وفاة المريض أحيانًا كان التخدير نفسه. إسكوديرو كان يُخدِّر المريض دون أي تخدير كيميائي. كان يقول للمريض إن أهم شيء هو أن يكون ريقه جاريًا باستمرار أثناء العملية. عمومًا، يجب العيش بفم رطب.
نجاحات طريقة إسكوديرو وتحدياتها
أجرى إسكوديرو تخديرًا لمرضى خضعوا لعمليات صعبة جدًا للعظام. استخدم الأطباء في هذه العمليات الشواكيش والمناشير والمسامير. كان يطلب من المريض أن يقول لنفسه فقط: "جسمي مخدر تمامًا الآن". لم يشعر المريض بأي ألم تمامًا أثناء هذه العمليات. وبنفس الطريقة أيضًا، استطاع أن يقدم روشتة علاج لحالات ربو شديدة. كل ذلك كان دون أخذ أي علاج دوائي نهائي. وبنفس الطريقة أيضًا، عالج مرضى من حالة العمى الوشيك الناتج عن نزيف الشبكية المستمر. كما عالج حالات خفقان في القلب وغيره. اشتهر إسكوديرو شهرة عالمية. أصبح له تلاميذ ومريدون. الفكرة الخاصة به تعتمد على كيف تمتد النفس وتهيمن لتؤثر على الجسم.
أسباب عدم انتشار طريقة إسكوديرو
لكن لم تنتشر هذه الطريقة على نطاق واسع. وسبب ذلك، ابتداءً، أنها تعتمد على القوة النفسية للمعالج. ويلزم أن يكون له مواهب خاصة. أو يمتلك الكاريزما الشخصية والموهبة الخارقة. ولذلك، لن يصبح كل طبيب إسكوديرو. ولن يستجيب أي مريض أيضًا. لا بد من مريض من نوع خاص لديه استعداد للاستهواء. وهذا يكون سببًا رئيسيًا في عدم انتشار التجربة.
أمثلة أخرى لتجارب تخدير غير تقليدية
توجد أمثلة أخرى لنفس الموضوع. منها التخدير بالإبر الصينية بدون أي بنج. بمجرد أن يضعوا الإبر في "ممرات الألم" كما يقولون. قال البعض إن هذا نوع من أنواع تأثير الوهم على المريض. ولإثبات أن هذا ليس وهمًا، أجروا عملية على حصان. وذلك لتجنب موضوع الوهم. ونجحت التجربة أيضًا. وأيضًا التخدير عن طريق التنويم المغناطيسي. أو الحرق دون حرق بالإيهام والإيحاء. هذه التجارب أيضًا لا يمكن تعميمها. توجد عوامل أخرى كثيرة غير السبب السابق المذكور. تلك العوامل تؤدي إلى عدم انتشار تجارب ناجحة.
تجربة المهندس العالمي حسن فتحي: عمارة الفقراء
وبعيدًا عن عالم الطب، سنذكر التجربة الثانية للمهندس العالمي حسن فتحي. هو الذي ألّف كتابه "عمارة الفقراء". هو الذي يناقش مشكلة عمارة الفقراء عمومًا. وخصوصًا في مصر. عندما ألّف كتابه، ألّفه بالإنجليزية. وعندما سُئل لماذا ألّفه بالإنجليزية، قال: "لأنني أخاطب الناس الذين يفهمون". وفعلًا، من كرمهم، اهتم به الغرب في البداية. بعد ذلك، بدأ الإعلام المصري يتكلم عنه. طُبّقت أفكاره في قرية دار السلام بنيو مكسيكو بأمريكا. نال عدة جوائز دولية. هذا رغم أنه كان في أفكاره مضادًا لأفكار بلاد العم سام.
مبادئ حسن فتحي في البناء المستدام
كان المهندس حسن فتحي لا يتقاضى أجرًا. فقد كرس حياته لعمارة الفقراء. كان يقول: "إن الأغنياء لهم آلاف المهندسين من يبنون لهم". لأنه كان من الشخصيات القليلة ذات النزعة الإنسانية الخيرية. فكرته في البناء هي الاستغناء عن الخرسانة الملحة. وكذلك الاستغناء عن خامات البناء الأساسية من حديد تسليح وأسمنت وخشب. وخامات أخرى كثيرة. لأن أغلبها خامات مستوردة ومكلفة جدًا في آن واحد. وأنه يجب النظر إلى الخامات الموجودة عندنا، وهي الطين.
تحديات التنفيذ وحلولها
بدأ فعلًا بتطبيق أفكاره. وقفت عقبة وحيدة له في البداية. وهي كيفية بناء السقف، أي القبة، من الطين دون استخدام الشدات الخشبية. سافر خصيصًا إلى صعيد مصر. بحث عن بنّائين كانوا توارثوا طرق البناء الفرعونية القديمة في بناء القباب دون شدات خشبية. حتى وجدهم في النهاية. كان قد يئس من أن يجد من يملك هذه الطريقة. المشكلة الأخيرة كانت له هي كيفية توفير المصنعيات. وذلك لضغط التكلفة إلى الحد الأقصى. وقال كلمته المشهورة: "عشرة أشخاص يمكن أن يبنوا عشرة بيوت، لكن شخص واحد غير قادر على بناء بيت واحد". فلمّ أهل القرية أنفسهم. وبدأوا بنفسهم بناء بيوتهم.
مميزات عمارة حسن فتحي البيئية والاقتصادية
طُبِّقت مع مراعاة نظام التهوية الطبيعي. والاعتماد على مواد بناء من البيئة المحلية المحيطة بالقرية. وليست الخرسانة المسلحة التي تحتفظ بالحرارة. منازل القرية اشتملت على أبراج للحمام وأقبية ومشربيات. استخدمت فيها فنون الأرابيسك. مشربيات من الطوب اللبن كانت بمثابة مرشح طبيعي للتهوية داخل تلك المنازل. يمكن أن تجد الحرارة في الصيف في صعيد مصر لا تتجاوز 26 درجة مئوية. وذلك دون استخدام أجهزة تكييف. في خمسينيات القرن الماضي، نجح في إنشاء قرية القرنة بصعيد مصر. وغيرها من القرى الأخرى. باختصار، نجح في بناء منزل واسع وكبير جدًا. هذا المنزل مناسب للبيئة. ويناسب طبيعة الفلاحين. ثمنه، على سبيل المثال، 60 جنيهًا. بدلاً من، على سبيل المثال، شقة سكنية من الخرسانة المسلحة ضيقة بمساحة 60 مترًا. تكلفتها آنذاك مثلاً 2500 جنيه.
أسباب عدم انتشار تجربة حسن فتحي
في النهاية، تحولت عمارة حسن فتحي. بدلاً من أن تكون موجهة للفقراء، أصبحت موجهة للأغنياء. أخذوا شكل القباب والأرابيسك وخلافه. طبقوه في قرى سياحية فاخرة بالبحر الأحمر والساحل الشمالي بمصر. وطبعًا لم تنتشر تجربة حسن فتحي في قرى مصر. الموضوع له أسباب كثيرة. من أهمها هي محاربة مافيا الشركات العملاقة للفكرة الخاصة به. التي يعتمد رزقها على الخرسانة المسلحة. وكذلك تجار الحديد والأسمنت والخشب. ومصالح المهندسين الذين يفهمون فقط في الخرسانة المسلحة.
عوامل أخرى وراء عدم انتشار التجارب الناجحة
توجد تجارب ناجحة كثيرة في مجال الطب والأدوية أيضًا. سنبقى نذكر بعضها في المستقبل. لأنها تصطدم مع مصالح الشركات العملاقة والبيزنس أيضًا. توجد أسباب أخرى كثيرة أيضًا تؤدي إلى عدم انتشار تجارب ناجحة. من أهمها التسويق. وما دوره الكبير في انتشار التجربة من عدمه. حتى الدين نفسه يحتاج تسويقًا. وهو دور الأنبياء أساسًا. وكيف تصطدم هذه التجارب مع بعض مصالح البعض.
التحديات البيئية والسؤال الختامي
نرى البناء مستمرًا بآلاف الأطنان من الخرسانة المسلحة. هذه الخرسانة تستلزم آلاف الأطنان من التكييف. وباقي الصناعات المدمرة للبيئة. مما سيؤدي إلى خراب الأرض المستعجل. وهذا نتيجة التغييرات المناخية القادمة لا محالة. هذا الأمر بدأ من الثورة الصناعية حتى الآن. لم يستطع أحد أن يوقف نزيف الصناعة. الذي يؤثر على البيئة من وقتها حتى الآن. هذا الموضوع متشابك ومعقد إلى حد ما. سؤالنا اليوم المطروح هو: "هل هناك أمل لإنقاذ الأرض؟". دمتم على خير. تابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "طاقة التكوين"
- الجزء الأول: بين السلب والايجاب
- الجزء الثاني: ملف اسكوديرو2 (أنت تقرأه الآن)
