فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء السادس | عوالم اياك نعبد واياك نستعين

Cover Image for الجزء السادس | عوالم اياك نعبد واياك نستعين
أحمد شاكر
أحمد شاكر

مفاتيح عوالم إياك نعبد وإياك نستعين (المفتاح السادس)

أهلاً وسهلاً بحضراتكم.

توقفنا في الحلقة السابقة عند بعض أنواع الاختبارات، وعرفنا أن الابتلاء هو قدر السالكين في طريق 'إياك نعبد وإياك نستعين'. وأن طريق 'إياك نعبد وإياك نستعين' ليس مفروشاً بالورود دائماً. ووجب علينا أن نعرف 'مسارات الرياح'؛ فقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ولكل ريحٍ سلاحٌ يناسبها.

ذكرنا ابتلاء 'ما في الصدور' مع المشاهد الخاصة به، واختبار 'التكليف'، وابتلاء 'النقص والمصائب'. وسأحاول اليوم إيجاز بعض الأنواع الأخرى.

النوع الرابع: الاختبار بالعطاء (عكس النقص)

يتسرع الكثيرون في إصدار الأحكام؛ فيظنون أن المصيبة غضبٌ من الله، وأن النعمة رضا! في الحقيقة، ليست كل مصيبة غضباً، وليس كل عطاءٍ ورخاءٍ رضا. بل قد يكون أصعب اختبار. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.

الاختبار بالشر هو الذي قلنا عليه وهو الاختبار بالشدة أو الشر. ويخبرنا الله هنا أن الخير والسعة فتنة أيضاً. واختبار عطاء الدنيا شديد الصعوبة، لأنه غالباً ما يكون مدعاةً للفجور والعلو في الأرض. قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}. الترف باب رئيسي من أبواب السقوط.

وعطاء الدنيا ليس معياراً، فهو يُعطى للمؤمن والكافر على حد سواء. قال تعالى: {كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}. لأن في الحقيقة، الدنيا لا وزن لها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء'.

الملك العظيم لسليمان: اختبار العطاء الأعظم

نسمع اليوم عن ثروات بعض الأفراد تقارب التريليون دولار، وشركات ودول عظمى. لكن كل هذا يتضاءل ويختفي أمام ملك سيدنا سليمان عليه السلام. مُلكٌ لا يمكن تخيل أبعاده؛ سيطرة على الريح والكائنات، ومعرفة بلغة الحيوان، وتحكم في مردة الجن والعفاريت.

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}. وقد استجاب الله لسليمان وأعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد بعده. وقال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ}. وغيره الكثير من وصف القرآن لعظمة ملك سليمان عليه السلام.

هذا الملك العظيم كان 'اختباراً'. كيف تصرف فيه؟ وكيف نجح طائعاً؟ يقول تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ}. ما هي هذه الفتنة؟ وما هو الجسد؟ ولماذا تاب وأناب سليمان؟ للإجابة على هذا السر، ربما نفرد له حلقة خاصة مستقبلاً، إن شاء الله، لضيق الوقت هنا.

النوع الخامس: الابتلاء بالشهوات

وهي أمور مجبولة في النفس البشرية للامتحان. قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}. هو اختبار التوازن؛ كيف تقيم نفسك بين طلبات النفس واللهث وراء الذهب والفضة، وبين كبحها على طريق 'إياك نعبد وإياك نستعين'.

يقول الإمام علي رضي الله عنه:

النفسُ تبكي على الدنيا وقد علمت ** إنَّ السلامة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ** إلا التي كان قبل الموت بانيها

النوع السادس: الابتلاء بالتفاوت بين الخلق

الغني والفقير، القوي والضعيف، الذكي ومحدود الفهم. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

وهذا التفاوت هو الذي يفتح أبواب اختبارات أمراض القلوب السابق ذكرها كالحسد والكبر. وهو باب عظيم لفتح عدم الرضا بقضاء الله وقدره، ويثير أسئلة حول عدل الله بين الخلق والإشكاليات الفكرية وغيرها.

النوع السابع: الابتلاء بالشبهات

وهي الأمور الملتبسة الغامضة. قال ﷺ: 'فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه'.

تتنوع الشبهات بين اعتقادية، أو فقهية، أو فكرية حول الإسلام. وقد تنشأ من ضعف العلم أو اختلاط الحلال بالحرام أو اختلاط الحابل بالنابل. وهو اختبار 'عقلي' لمدى ثباتك. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.

وهو باب يفتح الكثير من الجدل الذي نسمع به الآن من الاختلافات (وليس دائماً الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية!!).

قال تعالى: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا}.

خاتمة واستشراف

هذه كانت أهم أنواع الرياح في عجالة.

ولمن أراد الثبات في هذا الطريق، ولمن أراد النجاة من كل هذه الابتلاءات، سنتكلم في الحلقة القادمة عن السلاح الأقوى لمجابهة النفس والشيطان وغلق أبواب الشتات.

وتابعونا في الحلقة القادمة، إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "عوالم اياك نعبد واياك نستعين"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب