الجزء الأول: أول حجر دومينو | رقعة الشطرنج الأخيرة


أول حجر دومينو: من غزة إلى الملحمة الكبرى | رقعة الشطرنج الأخيرة (1)
مقدمة: أول حجر دومينو
أهلاً وسهلاً بحضراتكم. ما يحدث اليوم في غزة وإيران… قد لا يكون مجرد حرب عابرة، أو كما يقال زوبعة في فنجان. بل ربما يكون أول حجر دومينو في سلسلة أحداث قد تقود العالم كله إلى صراع أكبر… صراع حضارات… وربما الملحمة الكبرى أو الحرب العالمية الثالثة. كما سنرى لاحقًا.
نهج مغاير: بعيداً عن التحليلات السياسية
ولن أكتفي بالتحليلات السياسية أو سرد الأخبار، فأعتقد أن القنوات الإخبارية والمحللين السياسيين يغنون عن ذلك. وإلا كان مجرد إعادة سرد للأحداث. وكذلك لعبة السياسة دائماً هي كلام المُخادع، أو الأوجه القبيحة لعملة واحدة.
تشرشل والسياسة: مفارقة الصدق والسياسة
فيُروى عن رئيس وزراء بريطانيا الراحل "ونستون تشرشل" أنه شاهد قبراً مكتوباً عليه: "هنا يرقد الرجل الصادق والسياسي العظيم". فقال ضاحكاً: "هذه أول مرة أرى فيها رجلين يُدفنان في تابوت واحد!".
المنظور الديني: القرآن والسنة أساس الفهم
لكننا سنستلهم الأحداث المرتقبة من القرآن الكريم والسنة. ولقد توقفنا في الحلقات السابقة عند مفهوم المغضوب عليهم والضالين. وأشرنا إلى أن الضالين الذين وقع عليهم غضب الله أيضاً قد يكونون من الأغلبية الصامتة التي لم تتحرك لإصلاح الفساد، كما فعل حبيب النجار.
غضب الله: على من لم يتمعر وجهه لله
وكما أشرنا سابقاً، فإن غضب الله قد ينزل على من لم يتمعر وجهه لله، رغم أنه لم يعصِ الله طرفة عين.
دعوة للإصلاح: آية قرآنية محورية
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
الفارق بين الصلاح والإصلاح
ولم يقل الله: وأهلها صالحون. فالإصلاح، وليس مجرد الصلاح، هو المنجاة من غضب الله.
غياب الصيحة الإلهية: تكليف بإزالة الطواغيت
والسبب الرئيس لاختفاء "الصيحة" وغضب الله الذي كان ينزل من السماء في الأزمنة السابقة، هو أن السماء لن تتدخل الآن بعد التكليف الذي وقع علينا بإزالة الطواغيت، على عكس عصور الأنبياء السابقة. كما أشرنا في الحلقات السابقة، فالقتال مفروض علينا.
فريضة القتال: أمر إلهي
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
تأكيد فريضة القتال: القياس على الصيام
وكلمة كُتب تعني أن القتال مفروض علينا. تماماً كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
توسيع مفهوم القتال: ما وراء الدفاع عن الوطن
وقد حاول كثيرون حصر مفهوم القتال في الدفاع عن الوطن فقط. واستشهدوا ببعض الآيات في غير موضعها. وهذا يخالف فعل النبي ﷺ والصحابة الذين انطلقوا إلى بقاع الأرض مجاهدين فاتحين للبلدان (أسلم تسلم) أو (دفع الجزية عن يدٍ وهم صاغرون)، ولم يكن ذلك دفاعاً؛ لأن كثيراً من تلك البلاد لم تكن قد حاربت المسلمين أصلاً.
نظرة شاملة: عين الطائر وقزم على أكتاف العمالقة
وبالطبع، ليس المجال هنا لتمحيص آيات القتال وتحليلها والردود عليها، فذلك ليس موضوع هذا المقال. سيكون حديثنا اليوم أشبه بعين الطائر التي تمر على الأحداث من أعلى بسرعة لترى الصورة الكلية، لا عين المتفحص الذي يدقق في التفاصيل. وإلا فإن الحلقات سوف تطول جداً لو فعلنا هذا. أو أشبه بقزم يقف على أكتاف العمالقة ليرى أبعد… ليس أكثر.
موقف صريح: الحق أحق أن يقال
وفي الحقيقة لن أكون محايداً اليوم، ولن أكتفي بالتلميحات كما سبق. وقد يُغضب ذلك البعض. لكن الحق أحق أن يُقال.
تشعب الموضوع: أبعاد تاريخية وسياسية ودينية
موضوع اليوم متشعب الاتجاهات: تاريخياً، وسياسياً، ودينياً. وفي الحقيقة هناك خطر كبير على الدين في هذه الأيام، لكن قد لا يشعر به كثير من الناس. وسنتحدث عن الصراع الحالي وما هو مرتقب. وربما نتطرق إلى شجرة الفرق الإسلامية، وعلى رأسها السنة والشيعة.
الفرق الإسلامية: مصدر للفتنة
بل إن الشيعة أنفسهم لديهم ما يقارب 140 فرقة. هذا بخلاف الفرق الكثيرة جداً عند السنة. ومنذ القديم، كل فرقة تكفّر الأخرى، وكل فرقة تظن أنها الفرقة الناجية. ويمكن بسهولة إشعال نار الفتنة بين الفرق، حيث يسود مبدأ: فرّق تَسُد.
صدام الحضارات: نظرية هنتنجتون
وهذا بخلاف الصراع الأكبر بين الديانات والحضارات، الممتد منذ الحروب الصليبية. وهو ما حاول توضيحه صامويل هنتنجتون في نظريته الشهيرة عام 1993: صدام الحضارات، في كتابه الشهير «صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي». حيث رأى أن الصراعات بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والاقتصادية. بل ستكون الاختلافات الثقافية والحضارية هي المحرك الرئيسي للنزاعات في المستقبل.
أحجار على رقعة الشطرنج: نبوءة ويليام كار
وفي البداية أشرنا سابقاً إلى كتاب «أحجار على رقعة الشطرنج» للضابط الأمريكي ويليام كار عام 1955. والذي تحدث فيه عن دور المنظمات السرية العالمية في صناعة الحروب والثورات وركز بالطبع على الحرب العالمية الثانية التي كان حاضراً فيها. وقد أشار في نهاية كتابه إلى أن الحرب العالمية الثالثة مخطط لها. وأن العالم الإسلامي سيكون إحدى بؤرها الرئيسية. وهذا ما يهمنا اليوم.
الخريطة الجيوسياسية وتحذير المودة
ولكي تتضح الخريطة الجيوسياسية للعالم الإسلامي الخاضع للهيمنة الصهيونية والغربية، اليوم وموقف الدين منها. يقول الله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾.
المودة مع أعداء الله: تحذير شديد
وهو تحذير شديد حتى من مجرد المودة مع من حادّ الله ورسوله، ولو كانوا أقرب الأقربين. فما بالنا اليوم بمن يقيم علاقات سياسية واقتصادية مع المعتدي الكيان الصهيوني المغتصب للأرض؟ وقد أدى ذلك إلى ظهور مصطلح الصهاينة العرب.
رؤية جمال حمدان: مسؤولية ضياع فلسطين
وقد حدد المفكر جمال حمدان الراحل في كتابه «شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان» مسؤولية ضياع فلسطين. وقال إن قيام إسرائيل وضياع فلسطين هو نتيجة العجز العربي والتفرق والجبن العربي. وقال أيضاً إن أمام مصر فرصة ذهبية لاستعادة وزنها التاريخي بتحرير فلسطين كاملة، كما فعلت مع الصليبيين والمغول في العصور الوسطى. ويمضي حمدان قائلاً: "وإلى أن يتحقق ذلك فستظل مصر دولة مغلوبة مكسورة راكعة في حالة عدم اتزان سياسي تتذبذب بين الانحدار والانزلاق التاريخي".
نكسة 1967 وكامب ديفيد: نقاط تحول
وحسب مجريات الأحداث، أرى أن نكسة 1967 كانت نقطة تحول كبرى حين هُزمت الجيوش العربية (مصر، سوريا، الأردن) من إسرائيل خلال ستة أيام. لكن النكبة الأكبر كانت اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة التي لوثت وشوهت نصر 1973.
مصر أولاً وتمزيق الوحدة العربية
حيث رفع الرئيس المصري الراحل أنور السادات -مؤسس نظام كامب ديفيد- شعار "مصر أولاً". ولا يخلو عصر من المطبلين الذين يستخرجون من القرآن ما يشاؤون لتبرير الواقع. أو كما قيل: "خذ من القرآن ما شئت لما شئت" فيما يسمى أحياناً مشايخ السلطان. وتبعته شعارات مشابهة في دول عربية أخرى، على حساب فكرة الوحدة العربية. وتمزيق المجتمعات الإسلامية بشعارات القومية والتمسك بالحدود الفارغة بين البلاد الإسلامية.
موجة التطبيع: خضوع للنفوذ الأمريكي الإسرائيلي
وتبع ذلك موجة التطبيع مع إسرائيل، حتى في أشد اللحظات مأساوية مثل الإبادة الجماعية في غزة. ومن بين الدول التي ذهبت في هذا التطبيع والخنوع: على رأسها الإمارات والبحرين والأردن والمغرب وأذربيجان وغيرها. إلى جانب طابور الدول من الخاضعين والمنبطحين للنفوذ الأمريكي الإسرائيلي. حيث تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية في الوطن العربي.
مثل الثور الأبيض: قصة التفرقة والنهاية
وهنا نتذكر المثل العربي الشهير: «أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض». وتحكي القصة عن أسد تمكن من افتراس ثلاثة ثيران (أبيض، أحمر، أسود) بالتفرقة بينهم. حيث تنازل الثوران عن الأبيض، ثم الأسود، ليدرك الأخير نهايته المحتومة وقتها وقال هذه الجملة المشهورة.
عبد الوهاب المسيري: نبوءة الصهيوني الوظيفي
وقد تنبأ منذ ربع قرن المفكر عبد الوهاب المسيري، رائد الدراسات الصهيونية في العالم العربي، بوصولنا إلى مرحلة يصبح فيها العربي والمسلم صهيونياً وظيفياً. يؤدي نفس الأدوار التي كان يؤديها القائد العسكري الإسرائيلي. وقال مازحاً إن هذا الصهيوني الوظيفي قد يأتي يوماً ليصلي معنا العشاء في المسجد. وللأسف يبدو أن الواقع يسير في هذا الاتجاه.
مخاوف الصراع: خراب الاقتصاد والبلاد
وكثيراً ما نسمع أن الصراع يعني خراب الاقتصاد والبلاد والعباد. وما أشبه اليوم بالبارحة.
القعود عن القتال: موقف بني إسرائيل
قال تعالى على لسان موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. لكنهم قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.
واقعنا اليوم: انتظار تدخل الرب
وها نحن اليوم قاعدون ننتظر أن يقاتل الرب بدلاً منا.
تخريب الدين: طمس فريضة القتال
وفي الحقيقة، بدأ تخريب الدين منذ فترة طويلة، بمحاولة طمس عقيدة وفريضة القتال، وحصر الدين في الكتاتيب والعبادات فقط. بناء المساجد وزخرفتها، أكبر مئذنة وأكبر قبة وجوائز حفظ القرآن وغيرها. لكن أين هي من مسجد الحصى مسجد النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي تربى فيه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟
خطر إشاعة الأمل المفرط: تجاهل حقيقة الموت
كما انتشر سلاح آخر خطير وهو إشاعة الأمل بشكل مفرط، عبر ثقافة التنمية الفردية والنجاح الشخصي وكسر دوائر الفقر وغيرها. وكل هذا الذي يبحث عنه الإنسان قد يحدث أو لا يحدث بعد أن يكون قد استهلك وقته وعقله وحياته. لكن صدقوني، الحقيقة الوحيدة المنتظرة لأي شخص كان هي الموت، ولا غيره. وهو ما أشار إليه النبي في حديث الضب السابق عن حب الدنيا وكراهية الموت.
حقيقة الموت: آية قرآنية
قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾.
حديث نبوي: حتمية الموت وجزاء العمل
وقال النبي ﷺ: "أتاني جبريلُ عليه السَّلامُ فقال: يا محمَّدُ! عِشْ ما شئتَ فإنَّك ميِّتٌ، وأحبِبْ من شئتَ فإنَّك مفارقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإنَّك مجزِيٌّ به."
خالد بن الوليد: حقيقة الموت والاستعداد له
وقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: «فلا نامت أعين الجبناء» وهو على فراش موته، تعبيراً عن حسرته لعدم الاستشهاد في المعارك، وذماً للجبناء الذين يفرون من الجهاد. ومن فهم هذه الحقيقة ربما اشترى كفنه من الآن، وجلس في قبره ليرى مستقبله الحقيقي.
السيدة نفيسة: مثال للاستعداد للموت
وقد فعلت ذلك السيدة نفيسة (نفيسة العلم) حين حفرت قبرها بيدها في بيتها بالقاهرة. وكانت تجلس فيه كثيراً.
خاتمة: ترقب الحلقة القادمة
سنكمل في الحلقة القادمة — بإذن الله — استلهاماً من القرآن لفهم الأحداث المرتقبة. لكن كان لا بد من هذه المقدمة لتوضيح الوضع الحالي بإيجاز.
دعوة للمتابعة
تابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "رقعة الشطرنج الأخيرة"
- الجزء الأول: أول حجر دومينو2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الثاني: لماذا بدأت القصة من بابل؟
- الجزء الثالث: شفرة الهيكل
- الجزء الرابع: معادلة الإسراء
- الجزء الخامس: لماذا لا تتطابق التفسيرات ؟
- الجزء السادس: التاريخ الخفي؟
