فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء الرابع | عوالم اياك نعبد واياك نستعين

Cover Image for الجزء الرابع | عوالم اياك نعبد واياك نستعين
أحمد شاكر
أحمد شاكر

مفاتيح عوالم إياك نعبد وإياك نستعين (المفتاح الرابع)

مقدمة: مفترق الطرق

أهلاً وسهلاً بحضراتكم. وقفنا في الحلقة السابقة حول المفتاح الثالث من مفاتيح إياك نعبد وإياك نستعين. وكان حول مفهوم "البحث عن الصراط" و"الانخلاع من الأنا" لتلقي أنوار الله. واليوم، يبدو أننا نقف أمام مفترق طرق. ويبدو أن هناك طريقين.

أحدهما طريق يبدو خاويًا، ليس به أحد من المارة إلا ربما رجل أو اثنان من بعيد، وتلوح في نهايته بيئة قاسية وصحراء جرداء. وفي الجهة المقابلة، الطريق المعاكس أو الاتجاه المعاكس مزدحم للغاية مع قائمة انتظار طويلة، وتلوح في نهايته الرفاهية المطلقة والملاذات، وتتلألأ فيه الأضواء. لكن احذر، فربما ما تراه عيناك هو محض سراب.

لماذا يهرب الناس من الطريق الأول؟ الطريق الأول هو طريق إياك نعبد وإياك نستعين، وهو طريق ليس مفروشًا بالورود دائمًا. لأنه طريق يعتمد على مجاهدة النفس والشيطان والتضحيات، والصبر على الابتلاءات أو النجاح فيها. أما الطريق الثاني المزدحم فهو طريق التكالب على الدنيا والشهوات ومغرياتها.

طريق الابتلاء والكدح

فالطريق الأول به اختبارات كثيرة. كما قال تعالى محدثًا موسى عليه السلام: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا أي أن الله سبحانه وتعالى قد فتن موسى عليه السلام واختبره اختبارات عديدة واختبارات صعبة.

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين سأل رسول الله ﷺ: "أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟" فأجابه ﷺ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ...». فكلما صعد المرء وتدرج في طريق إياك نعبد وإياك نستعين، تزداد الابتلاءات والاختبارات. من هنا، يجب تهيئة النفس لباب الكدح بعد الوصول إلى الله بالبحث عن الصراط المستقيم.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ

فهم الكدح: مكونات الإنسان

ولكي نفهم طبيعة هذا الكدح، لابد أولًا أن نعرف الآليات التي تتحكم في الإنسان. فالإنسان مكون من جسد من طين وروح.

قال تعالى: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي

وخلطة الروح مع الجسد ينتج عنهما صفات جديدة وهي النفس. لكنها ليست شيئًا منفصلًا، أشبه باندماج الأكسجين مع الهيدروجين فينتج منتجًا جديدًا وهو الماء، ذو صفات جديدة عنهما، لكنه ليس عنصرًا ثالثًا.

قال تعالى عن النفس: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا

ومن هنا يتشكل بالنفس كل من الفجور والتقوى. ويجب على الإنسان مجاهدة النفس وترويضها لطريق إياك نعبد وإياك نستعين. وهناك عنصران بالجسد، بخلاف النفس، هما المسؤولان عن تصرفات الإنسان: القلب والعقل.

القلب: مركز الإدراك والتحكم

النظرة القديمة كانت تقول إن المسؤول عن التفكير والعاطفة والشعور والوعي وخلافه هو المخ فقط، والقلب مجرد مضخة للدماء. لكن الطب الحديث فجّر مفاجأة غيرت المفاهيم القديمة؛ فالقلب ليس مجرد مضخة للدماء. والدراسات أثبتت وجود جهاز عصبي معقد داخل القلب، بذاكرة وخلايا تشبه خلايا المخ تمامًا!

وتجلى ذلك في عمليات زراعة القلوب، حيث انتقلت مشاعر ومواهب المتوفى إلى المريض المستقبل، وكأن القلب يحمل 'شفرة الشخصية'. فمن الممكن أن يصبح الشخص شاعرًا بعد أن يُنقل له قلب المتوفى، وهو لم يكن في الأساس شاعرًا، لكن هذه كانت سمات الشخص المتوفى. لذا كان التنبيه القرآني دقيقًا ومعجزًا.

قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}

وهنا خص الله القلب داخل الصدر تحديدًا، قبل أن نعلم أي شيء عن كَيْنونة القلب داخل الصدر. ومن هنا، القلب هو الملك، هو من يصدر حكم الحب أو الكراهية في البداية، ثم يأمر العقل بالبحث عن المبررات العقلية لهذا الحكم. وتدور الدائرة بينهما. وهذه نقطة خطيرة في تحكم القلوب.

قال تعالى عن تحكم الكراهية، وربما ينتج عنها أحكامًا غير عادلة: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}

ومن هنا تنبيه من الله عن التدقيق: هل الحكم ناتج من القلب حيث الكراهية والحب، أم من الأدلة الدامغة؟ لذا قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». والقلب السليم هو وعاء 'الفطرة'. الفطرة السليمة والقلب السليم هي التي فطر الله عليها الإنسان.

الفطرة: ساحة الصراع مع الشيطان والنفس

الفطرة التي جعلت الأعرابي البسيط يقول قديمًا: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟" وتعبر هذه العبارة عن فطرة الإيمان ووضوح الدليل الكوني على الخالق لأبسط الناس منذ زمن بعيد. ولهذا قال الإمام الغزالي رحمه الله: "اللهم ألهمنا إيمان العوام".

لكن مع هذه الخلطة، يوجد الشيطان القرين الملازم للإنسان من مولده حتى موته. فبعد أن لعن الله إبليس وطرده من الجنة، جاء تحدّي إبليس لله.

قال تعالى على لسان إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ

ومن هنا، هذه الفطرة تواجه حربًا ضروسًا من النفس والشيطان يعملان لإفساد هذا القلب. ولا تفسد الفطرة إلا عند فساد القلوب وتغلب الشهوات والفجور على التقوى، والتي تؤدي إلى عمى العقول أيضًا.

الروح: حقيقة الإنسان ومصيره

لكن، من نكون نحن؟ في الحقيقة، الإنسان مكون من الخلطة التي قلنا عليها: الجسد وبه المخ والقلب والنفس والشيطان. المتحكم الأعلى في كل ذلك هو الروح. فالروح هي أنت، وإن كانت النفس منها. وعليها المحك كله في النجاة أو الهلاك. وهي المستقبلة النهائية للألم أو الفرح وخلافه. والروح هي التي ترى، وليس المخ في النهاية. وتنفصل عن الجسد بالموت. وإذا جاهدت كل ما سبق، فهي نفس مطمئنة.

قال تعالى: فروح وريحان وجنة نعيم

وقال تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً

وكما ذكرت من البداية، ربما هذا الطريق يبدو خاويًا. وفي الجهة الأخرى، الطريق أو الاتجاه المعاكس مزدحم مع قائمة انتظار طويلة. فرغم أن الطريق الخاوي آخرُه الجنة، أما الطريق المعاكس المزدحم للغاية آخرُه النار والجحيم. لكن على ما يبدو، ما زال الناس يتسابقون عليه. وهو أشبه بفتنة الدجال: جنته نار وناره جنة.

وكما قيل: "رجعنا من الجهاد الأصغر - يقصد جهاد الحرب - إلى الجهاد الأكبر - يقصد جهاد النفس والشيطان". ولمن أراد هذا الطريق، سوف نتكلم عن السلاح الأقوى للثبات على هذا الطريق، ولمجابهة الشيطان والنفس، وغلق أبواب الشتات بعد الوصول. تابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "عوالم اياك نعبد واياك نستعين"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب