فهرس المدونة

📚 السلاسل والمقالات

لوجو تأملات وسط الضبابوسط الضباب.

الجزء الثاني: سحر التخييل | هاروت وماروت

Cover Image for الجزء الثاني: سحر التخييل | هاروت وماروت
أحمد شاكر
أحمد شاكر

2- هاروت وماروت - سحر التخييل

مقدمة: تعريف سحر التخييل

ذكرنا في الحلقة السابقة قصة هاروت وماروت ومجمل أنواع السحر. واليوم، سنقف عند نوع من أنواع السحر وهو سحر التخييل. وهو سحر مركز على عين الإنسان أو الذاكرة ليتخيل أشياء لا حقيقة لها.

القصة الأولى: موسى عليه السلام وسحرة فرعون

والقصة الأولى في سحر التخييل هي قصة موسى عليه السلام مع سحرة فرعون. وقد أجمعت السحرة كيدهم، ليتحدوا معجزة موسى عليه السلام لتحويل العصا إلى أفعى.

آيات من سورة طه

قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ (65) قَالَ بَلۡ أَلۡقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ (66) فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ (67) قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ (68) وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيۡدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ (69) فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ (70)﴾ طه 65

تحدي السحرة لموسى عليه السلام

فأتوا صفاً فقالوا لموسى: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾. واختلف في مبلغ عدد السحرة الذين أتوا يومئذ صفاً. فقال بعضهم: كانوا سبعين ألف ساحر، مع كل ساحر منهم حبل وعصا.

وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116]. الاعراف 116

طبيعة سحر التخييل وتأثيره

وقال بعض المفسرين أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كانت حيلة. لكن هذا التفسير مستبعد. لأنه لو كان زئبقاً لتحرك أصلاً في حقيقته. وما كان هناك تخييل للعين كما ورد بنص القرآن. لكن في الحقيقة إنه نوع من أنواع السحر. ويسمى بسحر التخييل. وهذا السحر وقع على موسى نفسه بنص القرآن لقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ﴾.

فالسحرة سحروا عين موسى وأعين الناس. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ دليل على تأثير السحر على موسى عليه السلام.

العون الإلهي لموسى عليه السلام

وقوله: ﴿قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾. يقول تعالى: قلنا لموسى إذ أوجس في نفسه خيفة: ﴿لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ على هؤلاء السحرة، وعلى فرعون وجنده، والقاهر لهم. ﴿وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوا ۖ﴾. يقول: وألقِ عصاك تبتلع حبالهم وعصيهم التي سحروها حتى خيل إليك أنها تسعى. وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيۡدُ سَاحِرٍ ۖ﴾. ﴿وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ﴾.

﴿فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾. فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه. علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر. لأن العصا تحولت إلى أفعى حقيقة وليس تخييلاً للعين كما فعلوا. وأنه حق لا مرية فيه. ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون. فعندئذ وقعوا سجداً لله وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: 47-48]. ولهذا قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة.

القصة الثانية: سحر النبي محمد صلى الله عليه وسلم

والقصة الثانية في سحر التخييل هي قصة سحر النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ( سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ, حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا, وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي ؟ أَتَانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ ؟ قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِيمَا ذَا ؟ قَالَ: فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ. فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ ؟ فَقَالَ: لا, أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ, وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا, ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ ) رواه البخاري (3268) ومسلم (2189).

تفاصيل سحر النبي صلى الله عليه وسلم وأثره

ومن هنا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد سُحر. ومطبوب يعني مسحور. وكان ذلك في المدينة. فتعرض له شخص من اليهود يدعى: لبيد بن الأعصم. فعمل له سحراً في مشط ومشاطة. و(مشاقة) أو (مشاطة): ما يسقط من الشعر أي في شعر الرسول صلى الله عليه وسلم. فصار يخيل إليه أنه فعل بعض الشيء مع أهله ولم يفعله. وهو نوع من أنواع سحر التخييل كما ذكر في بعض الروايات. لكن لم يزل بحمد الله تعالى عقله وشعوره وتمييزه معه فيما يحدِّث به الناس، ويكلم الناس بالحق الذي أوحاه الله إليه. لكنه أحس بشيء أثر عليه بعض الأثر مع نسائه. كما قالت عائشة رضي الله عنها: إنه كان يخيل إليه أنه فعل بعض الشيء في البيت مع أهله - وهو لم يفعله -. فجاءه الوحي من ربه  بواسطة جبرائيل عليه السلام. فأخبره بما وقع. أو عن طريق الرؤيا التي رآها كما في صحيح البخاري. وفي رواية أخرى، وكلا الروايتين صحيح، بعث من استخرج ذلك الشيء من بئر لأحد الأنصار فأتلفه وزال عنه بحمد الله تعالى ذلك الأثر. وسواء استخرجه أم لا فقد شفاه الله. لذا قد يكون في بعض الحالات الأنجع في الشفاء من السحر هو استخراجه، لكن لا يشترط ذلك. وأنزل عليه سبحانه سورتي المعوذتين. فقرأهما وزال عنه كل بلاء. وقال عليه الصلاة والسلام: "ما تعوذ المتعوذون بمثلهما".

ولم يترتب على ذلك شيء مما يضر الناس أو يخل بالرسالة أو بالوحي. والله جل وعلا عصمه من الناس مما يمنع وصول الرسالة وتبليغها.

الرد على من أنكر سحر النبي صلى الله عليه وسلم

وقد أنكر هذا طائفة من الناس. وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنُّوه نقصاً وعيباً. وليس الأمر كما زعموا. بل هو من جنس ما كان يعتريه من الأسقام والأوجاع. وهو مرض من الأمراض. وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما. والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل. يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر، ولا يقدح في نبوته.

النسيان والعصمة من البلاء

وقد ينسى رسول الله في أحواله العادية. أما قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فهو معصوم في نسيان الوحي فقط. فما يصيب الرسل من أنواع البلاء فإنه لم يُعصم منه عليه الصلاة والسلام. بل أصابه شيء من ذلك. فقد جرح يوم أحد، وكُسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المِغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك. وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقاً شديداً. فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه. ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته. ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله ولا منعه من تبليغ الرسالة. ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ[1].

خلاصة وتعميم

وفي كلا القصتين، نجد أن سحر التخييل وقع على موسى عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ومن هنا لا يفرق السحر بين إنسان تقي وإنسان غير تقي. أو إنسان مؤمن أو كافر. فالكل معرض لأذاه بما فيهم الأنبياء. دمتم على خير، وتابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.


🔗 أجزاء سلسلة "هاروت وماروت"

🎬 شاهد هذا الجزء عبر يوتيوب