الجزء السابع | عوالم اياك نعبد واياك نستعين


مفاتيح عوالم إياك نعبد وإياك نستعين (المفتاح السابع)
ترحيب ومراجعة: طريق السالكين والابتلاءات
أهلاً وسهلاً بحضراتكم. توقفنا في الحلقة السابقة عند بعض أنواع الابتلاءات. عرفنا أن الابتلاء هو قدر السالكين. طريق "إياك نعبد وإياك نستعين" ليس مفروشاً بالورود دائماً. وجب علينا أن نعرف "مسارات الرياح". قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. لكل ريحٍ سلاحٌ يناسبها.
السلاح الأقوى: مركز القيادة (باب الحمد)
لمن أراد الثبات في هذا الطريق والنجاة من كل هذه الابتلاءات. سنتكلم اليوم عن السلاح الأقوى لمجابهة النفس والشيطان وغلق أبواب الشتات. في ساحة المعركة لا يوجد سلاح واحد. هناك سلاح الجو، والمشاة، والمدفعية، وغيرها لصد الهجوم. لكن، دائماً هناك "مركز للقيادة". رئيس أركان يدير هذه المعركة. بالطبع لا يغني هذا عن باقي الأسلحة، لكنه يظل ذروة السنام. كلامنا اليوم سيكون عن "مركز القيادة" لمجابهة تيارات الرياح. إنه (باب الحمد).
القرآن والفاتحة: مفتاح الفهم الحقيقي
القرآن الكريم كله حصنٌ لمن أراد هذا الطريق. الدخول لابد أن يكون عبر هذا المفتاح. وهو الفاتحة. الفاتحة تبدأ بـ "الحمد لله رب العالمين". نقرؤها 17 مرة في اليوم. ناهيك عن "سمع الله لمن حمده" في كل ركعة. هذا المفتاح هو الذي يفتح آفاق الفهم للقرآن. فبدونه لا فهم حقيقياً للقرآن. نجد الكثير من المستشرقين يعلمون عن القرآن والسنة وعلوم الحديث أكثر من بعض المسلمين. لكنهم لم يستفيدوا منه بشيء. مجرد معلومات جافة. دون مفتاح "الحمد"، لا فائدة من هذا الكم الهائل من المعرفة.
تعريف الحمد: الثناء الشامل
فما هو الحمد؟ الحمد هو الثناء باللسان والقلب على الله. لذاته وصفاته، في السراء والضراء. هو أعم وأشمل من "الشكر". فالشكر يكون مقابلةً لنعمة محددة. الحمد أوسع. فكل شكرٍ هو حمد، وليس كل حمدٍ شكراً.
فهم العارفين بالحمد: قصة إبراهيم بن أدهم وشقيق البلخي
وهذا الفهم العميق هو ما أدركه العارفون بالله. حين سأل إبراهيم بن أدهم تلميذه شقيقاً البلخي: "على أي شيء أصلتم أصولكم؟". رد شقيق: "إذا رُزقنا شكرنا، وإذا مُنعنا صبرنا". علَّق إبراهيم بن أدهم قائلاً: "هكذا تفعل كلاب بلخ!.. ( وبلخ المنطقة التي كانوا بها ) أما نحن؛ فإذا رُزقنا صبرنا، وإذا مُنعنا شكرنا وحمدنا". هنا يظهر مدى فرحة العارفين بالابتلاءات بالحمد. لأنهم يعلمون أنها الطريق إلى الجنة. والصبر مع العطاءات لأنها ربما تكون طريق الجحيم.
الحمد: منظومة متكاملة وشجرة عملاقة
وليس معنى الحمد أن يمسك المرء المسبحة ويردد الكلمة وكفى. الحمد منظومة متكاملة. هو "شجرة عملاقة". حتى تؤتي ثمارها، لابد من تفعيل جذورها.
الجذر الأول لشجرة الحمد: الإقرار التام بالربوبية المطلقة
الجذر الأول لشجرة الحمد: الإقرار التام بالربوبية المطلقة. "الحمد لله رب العالمين" تعني أنه لا حول ولا قوة في عالم الخلائق إلا بالله. الماء في ذاته لا يروي العطش. الدواء في ذاته لا يجلب الشفاء. بل هي صورٌ لحول الله وقوته. إذا مرض شخص ما، فربما أول ما يتبادر لذهنه هو البحث عن الطبيب. وعند فشل العلاج يلجأ إلى الله! لكن الفهم الصحيح للربوبية يقتضي أن يكون الله هو الوجهة الأولى. ثم يأخذ بالأسباب ويذهب للطبيب. أو حتى ممكن ألا يذهب كما فعل ابن القيم عندما فقد أسبابه. وعلي أن تسأل الله في الأمور كلها. كما يُروى عن النبي ﷺ: "لِيَسْأَلْ أحدُكم ربَّه حاجتَه كُلَّها، حتى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إذ انْقَطَعَ". أي اللجوء لله حتى في دقائق الأمور. حتى في أربطة النعال.
الجذر الثاني لشجرة الحمد: الإقرار التام برحمانية الرب
الجذر الثاني لشجرة الحمد: الإقرار التام برحمانية الرب. "الرحمن الرحيم" هو تفعيل الحمد مع الثقة المطلقة في رحمة الله وحسن الظن به. قال النبي ﷺ: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته". لا دخول للجنة إلا برحمة الله. ومنه نفهم أن عمل الصالحات ما هو إلا استجلاب لرحمة الله. لكن في حد ذاته لا يؤهل لدخول الجنة. ربما يطرح بعض الفلاسفة والسائلين دائماً سؤالين في هذا الموضوع: الأول: أنه لا عذاب أصلاً ولا نار، استناداً إلى رحمة الله على حسب أقوال البعض، أو استناداً إلى أقوال ابن عربي. والثاني: كيف تنسجم رحمة الله مع النار والجحيم؟ وهذا ما دعا سارتر إلى القول بأن الله ما هو إلا قبطان سفينة. ولا يهتم بالجرذان القابعة بأسفل السفينة، يقصد نحن البشر.
استكمال جذور شجرة الحمد في الحلقة القادمة
وسنجيب على ذلك. وسنكمل إن شاء الله باقي جذور شجرة الحمد. تابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
