الجزء الرابع: السادات | عندما يختار الله الحاكم


عندما يختار الله الحاكم: قراءة في قضية السادات ومراتب الحكم بغير ما أنزل الله
مقدمة: مسألة الحكم بما أنزل الله وقضية السادات
واستكمالًا لسلسلة "عندما يختار الله الحاكم"، توقفنا عند قوله سبحانه وتعالى: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ". ولعل أبرز من اتهم بذلك هو الرئيس الراحل أنور السادات.
اغتيال الرئيس أنور السادات
لقد خرج الرئيس الراحل في أبهة المنتصر في الحرب والسلام. كان ذلك في يوم 6 أكتوبر عام 1981، احتفالًا بالانتصار الذي تحقق خلال حرب أكتوبر 1973. لكن هناك من توقف أثناء العرض العسكري. أطلق الرصاص على الرئيس الراحل.
منفذو الاغتيال والعقل المدبر
كان المتهم الأول في قضية الاغتيال هو الملازم أول خالد الإسلامبولي. يبدو أن هذا العمل كان فرديًا يُنسب إليه أكثر من انتمائه إلى جماعة الجهاد أو الجماعة الإسلامية آنذاك. خالد الإسلامبولي ضابط بالجيش المصري، تخرج بدرجة امتياز من الكلية الحربية. هو العقل المدبر لعملية الاغتيال. شارك معه القناص حسين عباس في عملية الاغتيال. كما شارك عطا طايل حميدة كأحد منفذي عملية الاغتيال. وشارك أيضًا عبد الحميد عبد السلام. عبود الزمر، ضابط بالمخابرات الحربية، شارك في التخطيط أيضًا. أما العقل المفكر، وهو فحوى الموضوع، فهو صاحب كتاب "الفريضة الغائبة"، المهندس محمد عبد السلام فرج، مهندس التكفير. هو متأثر في كتابه ببعض آراء سيد قطب وأبي الأعلى المودودي وابن تيمية. يُعتبر هو المنظر الحقيقي لتنظيم المنصة.
تبرير الاغتيال: التكفير وإباحة الدم
بسبب عدم الحكم بما أنزل الله، كفّرت الجماعات الإسلامية الرئيس السابق. أباحت دمه حسب الحجج الشرعية التي اقتنعوا بها وأوردوها.
السادات: بين الكفر والإيمان
العجيب أن كرم زهدي، رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية في عام 2003، أصدر تصريحًا من داخل سجن العقرب شديد الحراسة. ذكر أن السادات مات شهيدًا في قتال فتنة. فالسادات يُنظر إليه بين الكفر والإيمان حسب هوى كل فرقة، وكل جماعة، أو كل فرد.
أصل التضارب: الفهم الشمولي للنصوص
هذا التضارب ناتج عن عدم استقرائهم لآيات القرآن. وناتج أيضًا عن عدم فهمهم الفهم الشمولي للقرآن الكريم والسنة النبوية.
جذور التكفير في التاريخ الإسلامي: الخوارج
لعل آراء التكفير قديمة قِدم الإسلام نفسه. فها هم الخوارج قد كفروا سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه.
الحجة الأساسية: "ومن لم يحكم بما أنزل الله..."
دون الدخول في تفاصيل الموضوعات وكامل أدلتهم، سنجول حول آرائهم وأدلتهم. لعل أبرز ما يحتجون به هو قوله تعالى: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ". يستندون إلى أن القانون المصري والتشريع ليس كله قائمًا على أحكام الشريعة الإسلامية. هذا بالرغم من أن الدستور نص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. قولهم هو أن التغاضي عن بعض أحكام الشرع، حتى لو كان حكمًا واحدًا، هو إنكار للشرع كله. هذا شأن من ينكر آية واحدة من القرآن، فهو كافر بإجماع العلماء.
توسيع دائرة التكفير
على هذا، أصبح جميع الحكام تقريبًا كفارًا لعدم الحكم بما أنزل الله. تتسع دائرة التكفير لتشمل الحاكم وكل معاونيه. كما تشمل مجالس الشعب والشورى، فهم أيضًا كفرة. بل حتى القضاة وكل من تشملهم دائرة التشريع أو حراس التشريع كالشرطة والجيش. ذلك لأنهم لم يُبدوا اعتراضًا للحكم بما لم ينزل الله.
سند قرآني: الابتعاد عن الظالمين
ذلك لقوله تعالى: [ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ] (هود 113).
أعوان الظلمة: قصص الإمام أحمد وسفيان الثوري
يُروى عن الإمام أحمد بن حنبل، حينما كان مسجونًا في محنة "خلق القرآن". سأله السجان عن الأحاديث التي وردت في أعوان الظلمة. فقال له الإمام: "الأحاديث صحيحة". فقال له السجان: "هل أنا من أعوان الظلمة؟" فأجابه الإمام: "لا، لست من أعوان الظلمة. إنما أعوان الظلمة من يخيطون لك ثوبك، من يطهون لك طعامك، من يساعدونك في كذا. أما أنت فمن الظلمة أنفسهم!" وروي أيضًا أنه جاء خياطٌ إلى سفيان الثوري. فقال الخياط: "إني رجل أخيط ثياب السلطان (وكان السلطان ظالمًا). هل أنا من أعوان الظلمة؟" فقال سفيان: "بل أنت من الظلمة أنفسهم، ولكن أعوان الظلمة من يبيع منك الإبرة والخيوط!"
تناقض: لماذا السادات وحده؟
لكن العجيب أن من قتلوا السادات قتلوه وحده. كان في متناول أيديهم باقي الظلمة وأعوان الظلمة. لكنهم قتلوه وحده. فهل هو ثأر شخصي، أم هي الكراهية؟
محركات البشر: الحب والكراهية
في الحقيقة، إن ما يوجه البشر والشعوب هو الحب والكراهية في المقام الأول. يغطون ذلك بالحجج المنطقية. فالحب والكراهية تبدأ من القلب. القلب بدوره يعطي الأوامر للعقل للبحث عن الأدلة المنطقية أو الشرعية التي تعضد الكراهية أو الحب.
استغلال الكراهية: مثال الحزب النازي
لقد استغل الحزب النازي هذه الخاصية بامتياز. صعد بها من التدني إلى زمام الأمور والحكم في ألمانيا. تم ذلك ببث الكراهية في الشعب الألماني بمعاهدة فرساي التي بها ظلم للشعب الألماني. هي المعاهدة التي أسدلت الستار بصورة رسمية على وقائع الحرب العالمية الأولى.
دعوة قرآنية للعدل رغم الكراهية
والذي يؤكد سبحانه وتعالى على ذلك بقوله: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ" (المائدة 8). أي: لا تجعلوا الكراهية تحول بينكم وبين العدل، فتكونوا ظالمين.
مراتب الحكم بغير ما أنزل الله: الفسق
لكن قال الله تعالى أيضًا: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (المائدة 47). من هنا نفهم أن ليس كل من لم يحكم بما أنزل الله يكون كافرًا. فهناك مرتبة أدنى وهي الفسق.
قياس على تارك الصلاة: الكفر مراتب
ومثال ذلك تارك الصلاة. فهل كل من ترك الصلاة كافر على أي حال؟ هذا لقول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): "بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة"، أخرجه مسلم في صحيحه. في الحقيقة، رغم قول بعض الفقهاء بهذا الرأي. وعلى حسب كلامهم، فإن المعروف عن الصحابة مقولة: "لم أرَ أصحاب رسول الله ﷺ يعدون شيئًا تركه كفر إلا الصلاة". فهذا يدل على أن الصلاة عند الصحابة يُعتبر تركها كفرًا. يعني: كفرًا أكبر. ويسمى: كافرًا مشركًا. فالذي ترك الصلاة قد فرّق دينه. وقد خرج عن جماعة المسلمين. واستحق أن يُقتل إن لم يتب؛ لقول النبي ﷺ بقتل التارك لدينه المفارق للجماعة. وهذا الكلام على إطلاقه غير صحيح. فهناك كفر دون كفر، وهي مراتب. ولكنهم لم يستطيعوا فهم هذه المراتب.
حالتا تارك الصلاة وتفسير الكفر
لكن الصحيح أن تارك الصلاة على حالين. إحداهما: أن يترك الصلاة مع جحد الوجوب. يرى أنها غير واجبة عليه، وهو مكلف. هذا يكون كافرًا. لأن من جحد وجوبها كفر بالإجماع، بإجماع المسلمين. وهكذا من جحد وجوب الزكاة أو الصوم أو الحج مع الاستطاعة. أو جحد تحريم الخمر وقال: "إنه حلال"، وخلافه. كل هؤلاء يكفرون بإجماع المسلمين. أما من تركها تهاونًا وكسلًا، وهو يعلم أنها واجبة، فإنه لا يكفر بذلك كفرًا أكبر. بل هو كفر أصغر. لأنه موحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ويؤمن بأنها فريضة عليه. وهي كالزكاة والصيام والحج، لا يكفر من تركها. وإنما هو عاصٍ. وأتى جريمة عظيمة. ولكنه لا يكفر بذلك.
تطبيق على الحاكم: النية والجهل
وهذا بالضبط شأن الحكم بما لم ينزل الله. هل الحاكم تهاونًا أو جهلًا منه لم ينظر للموضوع؟ أم أنه يجحد الحكم بما أنزل الله؟ وهنا سندخل في النيات التي لا يعلمها إلا الله.
المرتبة الثالثة: الظلم
أما من صوّغت له نفسه، سواء بالحب أو الكراهية أو بالمنفعة، لقبول ذلك. فينطبق عليهم قول الله سبحانه وتعالى: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ". فهذه هي المراتب الثلاثة للحكم بما لم ينزل الله.
الفريضة الغائبة: الجهاد ونشر الدين بالسيف
أما موضوع "الفريضة الغائبة"، فهي الجهاد في سبيل الله لنشر الدين بالسيف. يؤكد ذلك التاريخ في فهم الصحابة للقرآن. كان ذلك في الفتوحات الإسلامية بالحرب والسيف لنشر الدين. نحن نسميها فتوحات، وهم يسمونها غزوًا. ورغم أن الدين انتشر آنذاك أيضًا من غير السيف، كما هو الحال اليوم. لكن هذا لا ينكر استخدام الصحابة للسيف لنشر الدين.
آيات القتال في القرآن الكريم
قال تعالى: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (الأنفال 39). وقال تعالى: "{قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}" (سورة التوبة: 29).
التوفيق بين "لا إكراه في الدين" وآيات القتال
كيف يتفق هذا مع قوله سبحانه وتعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)" (البقرة 256)؟ فكيف التوفيق بين هذا وذاك؟ وكيف الخروج من هذا المأزق؟ هذا ما سوف نتناوله لاحقًا إن شاء الله. دمتم على خير. تابعونا في الفصل التالي إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "عندما يختار الله الحاكم"
- الجزء الأول: طالوت
- الجزء الثاني: الفيلسوف
- الجزء الثالث: الديمقراطية
- الجزء الرابع: السادات2 (أنت تقرأه الآن)
