الجزء الخامس: جيمس واتسن | الطريق الي الله


علماء على حافة الإلحاد: رحلة في عقول المفكرين
من إشكالية الخالق إلى رحاب الإلحاد العلمي
بعد ما ذكرنا في الفصل السابق ستيفن هوكينج وإشكالية إثبات وجود الخالق في ميكانيكا الكم عند بداية نشأة الكون. بدأنا بجولة خاطفة في عقول العلماء الذين لهم وزنهم في تاريخ العلم. والذين صرحوا بإلحادهم أيضًا. لكن بطبيعة الحال ليس كل العلماء ملحدين. لكن على ما يبدو كثير منهم إما لم يصرح بإلحاده. أو أن فكرة الخالق مشوشة لديه أو مهمشة. وليس لها أي صدى حقيقي في حياته.
برتراند راسل: المنطقية والإيمان بالإنسان
مثال ذلك برتراند راسل، الفيلسوف الشهير في القرن العشرين. والحائز على جائزة نوبل. الذي يعتبر من أهم علماء المنطق في القرن العشرين. وهو الملحد الذي يؤمن بالإنسان. والذي ألحد في سن الخامسة عشرة، أو كما قال: "فكرة أن الأشياء لا بد أن يكون لها بداية تعزى إلى فقر خيالنا."
يصف راسل نفسه بأنه لا أدري، ولكنه ملحد. حين يتكلم، يرى راسل أنه لا يستطيع دحض الإله المسيحي. على غرار الطريقة التي لا يستطيع بها دحض الآلهة الأولمبية.[16] حافظ راسل على وجهة نظره أن الدين هو أكثر قليلًا من الخرافات. وعلى الرغم من أي آثار إيجابية قد يقدمها الدين، فهو ضار إلى حد كبير على الناس. وأعرب عن اعتقاده بأن الدين والنظرة الدينية تعملان على إعاقة المعرفة وتعزيز الخوف والاعتمادية. وهي مسؤولة عن الكثير من الحروب في العالم والقمع والبؤس.
وفي حفل ميلاده التسعين، واجهته امرأة من العامة وسألته: "ألا تخاف يا برتراند وأنت في التسعين، وقد قاربت الموت أن تقابل ربك؟" فقال: "لا، لو كان هناك رب موجود، فسوف أجادله كما يجادلني." "وحين يسألني لِمَ لم تؤمن بي؟" "فسأرد عليه: لماذا لم تعطني من البراهين الكافية ما يقنعني بوجودك؟"
جيمس واتسون: سر الحياة وإشكالية الإيمان
ومثال ذلك أيضًا العالم جيمس واتسون، الحائز على جائزة نوبل. أحد مكتشفي بنية الـ DNA. وهو الشريط الوراثي أو الحمض النووي. وقد قال في حديث تلفزيوني له إنه لو كان يذهب يوم الأحد إلى الكنيسة مع أمه، أي معترفًا بالخالق. ما كان بحث أصلًا عن سر الحياة.
كارل ساجان: الكون والخلية الأولى
ومثال ذلك أيضًا الشهير كارل ساجان. هو فلكي أمريكي من أبرز المساهمين في تبسيط علوم الفلك والفيزياء الفلكية وغيرها من العلوم الطبيعية. الذي قال إن جدته القديمة ربما تكون أبسط خلية حية. وأن باستطاعتنا أن نخلق مثلها لو توافرت لنا الظروف المناسبة.
وقال: "لا تستطيع أن تقنع المؤمن بأي شيء. فإيمانه لا يستند على أدلة، وإنما على حاجة ماسة للإيمان."
ريتشارد فاينمان: الإله كمفسّر للجهل
أو ريتشارد فاينمان، عالم فيزياء أمريكي. والمعروف بإسهاماته في ميكانيكا الكم. وكذلك إسهاماته في عمليات الحوسبة لمعالجة كميات هائلة من العمليات الحسابية. والحاصل على جائزة نوبل أيضًا.
وقد صرح فاينمان أنه كان ملحدًا صريحًا منذ شبابه. ومن أقواله: "تم اختراع الإله ليفسر ويشرح الأشياء التي لا نفهمها." "والآن وبعد أن اكتشفنا كيف تعمل الأشياء، جردنا هذا الإله من أسباب وجوده وأصبحنا لا نحتاج إلى وجوده."
سيجموند فرويد: الدين كـ "وهم"
وهل كان سيجموند فرويد، عالم النفس الشهير ومؤسس علم التحليل النفسي، يهوديًا أم ملحدًا؟ لكن لسان حاله يقول إنما الدين عبارة عن وهم. أو ينتمي بشكل كامل إلى الحضارة الغربية التي هيمن عليها نموذج العلمانية الشاملة.
كارل ماركس: الدين أفيون الشعوب
أو كما قال الفيلسوف "كارل ماركس"، أحد أعظم الاقتصاديين في التاريخ ومؤسس الحركة الشيوعية والاشتراكية: "إنما الدين أفيون الشعوب."
فريدريك نيتشه: موت الإله وميلاد قوانين الكون
و"فريدريك نيتشه" الفيلسوف الألماني المشهور كان ملحدًا بطبيعة الحال. وأعلن «فريدريك نيتشه» «موت الإله». فهو هنا لم يكن يعني أن هناك إلهًا وقد مات بالمعنى الحرفي للكلمة. بل أن فكرتنا عن الإله هي التي ماتت. فبعد عصر التنوير، أصبحت فكرة الكون الذي تحكمه القوانين الفيزيائية وليست العناية الإلهية حقيقة واقعة.
ناهيك عن مئات المفكرين والعلماء والأدباء والفلاسفة الذين لا يتسع المقام لذكرهم هنا.
الوجودية: حرية الإنسان ومسؤوليته
هذا بخلاف كثير من الأفكار الفلسفية التي وجدت لها صدى كبير في أنحاء العالم. مثل الوجودية وسحرها في تفرد الإنسان والحرية التامة في التفكير بدون قيود وحرية. وأن الإنسان صاحب تفكير وحرية وإرادة اختيار. ولا يحتاج إلى موجّه.
ومثلثها الشهير جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو. والوجودية تعاني من الاضطراب لغياب التأثير المباشر لقوة خارجية (وهو الإله). مما يعني أن الفرد حر بالكامل، ولهذا السبب هو مسؤول عن أفعاله الحرة.
وكان سارتر يقول بأن الله مثله كقبطان سفينة. لِمَ قد يهتم بالجُرذان التي تقبع مع المحركات في باطن السفينة، قاصدًا بها البشر؟ وفي أغلب مراحل حياته، في الواقع، هو وعشيقته "سيمون دي بوفوار" أمسيا من أشهر ملحدي القرن العشرين. بالرغم من أن "دي بوفوار" بقيت على إلحادها حتى النهاية. ولكن وعلى ما يبدو فإن سارتر بدأ يرى نفسه "مخطئًا" في أواخر حياته. وهذا ما سبب صدمة وهلعًا بين كل أتباعه ومحبيه.
خاتمة: شك في جدوى النقاش العقلي
لكن بعد هذه الحوارات والمناقشات التي أخذت وقتًا طويلًا. وحاولنا الاقتراب فيها من عقول العلماء الملحدة مع أصدقائي وصديقي الملحد. والتي ربما عرضت بعضًا منها كما سبق. والتي كنت بها مركّزًا على جانب واحد من الحوار. بدأ يتسرب الشك لي بجدوى المناقشات والحوارات والمناظرات المبنية على المنطق العقلي وحده في مسائل العقيدة والدين.
دمتم على خير وتابعونا في الفصل التالي، إن شاء الله.
لمشاهدة الأجزاء كلها معًا اضغط على الرابط
🔗 أجزاء سلسلة "الطريق الي الله"
- الجزء الأول: احدي ليالي الشتاء
- الجزء الثاني: فضاء معرفي لفهم الآخر
- الجزء الثالث: النسبية
- الجزء الرابع: استيفن هوكينج
- الجزء الخامس: جيمس واتسن2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء السادس: حسن فتحي
- الجزء السابع: الديالكتيك
