الجزء الثالث | عوالم اياك نعبد واياك نستعين


مفاتيح عوالم "إياك نعبد وإياك نستعين" (المفتاح الثالث)
مقدمة
أهلاً وسهلاً بحضراتكم. وقفنا في الحلقة السابقة حول المفتاح الثاني من مفاتيح "إياك نعبد وإياك نستعين". كان ذلك حول مفهوم التعلم والتدرج في عوالم "إياك نعبد وإياك نستعين". وسؤال ومفتاح اليوم هو: من أين البداية؟
البحث عن الصراط المستقيم
البداية هي البحث عن الصراط المستقيم. إنه الطريق المباشر إلى الله. الصراط أو الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين.
مثال عملي: الرحلة بين القاهرة ومرسى مطروح
فلو فرضنا أن الشخص الأول يريد السفر من القاهرة بمصر إلى مرسى مطروح. هناك طريق واضح هو أقصر مسافة بين النقطة الأولى والثانية. وربما ستستغرق الرحلة عدة ساعات. لكن ربما يسلك شخص آخر طريقًا آخر. يذهب إلى ميناء بالبحر الأحمر. ويركب مركبًا ويمر بمضيق باب المندب. ويهبط مع المحيط الهادي مرورًا بسواحل إفريقيا. ويمر برأس الرجاء الصالح. ثم يصعد مرة أخرى حول إفريقيا. ويمر بمضيق جبل طارق والبحر المتوسط. حتى يصل أيضًا إلى مرسى مطروح. وقد يستغرق ذلك عدة شهور. الاثنان وصلا إلى نفس النقطة. لكن مع فارق كبير جدًا في الوقت والمجهود والتكلفة. هذا بخلاف أنه من الممكن أن يقف الثاني بموانئ كثيرة. وينزل في وسط المدن. ويقابله مغريات كثيرة في المنتصف. وربما يتوه. أو ينسى المقصد من الرحلة أصلًا.
هل يمكن سلوك المسلك الأطول؟
قد يبدو في هذا المثال أن الفرق واضح وجلي بين السبيلين. وقد يتساءل البعض: هل يمكن لأحد أن يسلك مسلك الشخص الآخر؟ في الحقيقة، نعم. لأن في الواقع، الموضوع ليس بالفرق الواضح كما ضربت في المثال السابق. لكنه أشبه بالدخول إلى متاهة متعددة الاتجاهات. وبها أبواب كثيرة. وليس بها الخط المستقيم السابق الواضح. فعليه عمل العديد من التجارب. حتى يصل إلى النقطة التي يريد. وقد يصل. وقد لا يصل. وسوف يكون من المحظوظين لو وجد من البداية الخط المستقيم أقصر الطرق.
آيات قرآنية عن الصراط المستقيم
ولذلك قال تعالى:
اهدنا الصراط المستقيم. وقال تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. إنه الصراط الخفي إلى الله مباشرة.
تعقيدات المسارات العقلية في الوصول إلى الله
وسأضرب أمثلة سريعة لنقترب من الموضوع أكثر. كثيرًا ما قابلت أناسًا يريدون الوصول إلى الله حسب زعمهم. وتدور في أذهانهم أسئلة كثيرة جدًا. هذه الأسئلة مستوحاة من آراء الفلاسفة والعلماء. ومن داروين وأصل الأنواع. ومن ورقة السباتخ: هل هي جدتي القديمة؟ ومن الانفجار العظيم والانكماش الكبير. ومن ستيفن هوكنج وآرائه حول إثبات الله في بداية الكون وخلافه. وتتضمن مقارنة الأديان السماوية والأرضية. أو كما قيل: لعل البوذية أكثر منطقًا، فهل قرأت البوذية؟ فالموضوعات العقلية والديالكتيك للوصول إلى الله بالعقل قد تستغرق سنوات عديدة. أو عقودًا. ولربما تحتاج عدة مجلدات وسنوات طويلة للكتابة عنها. ناهيك عن الفهم الدقيق لمكوناتها الذي قد يستغرق أضعاف هذا الوقت. وفي النهاية، لو لم يلحد هذا الشخص أصلًا. فغالبًا سيصل إلى الله. لكن ككائن مشوه من تضاربات الآراء وعدم وضوح الرؤية الكلية.
الصراط المستقيم المباشر وقرب الله
إذًا هناك وسط هذا الكم الضخم من المتاهة العقلية صراط مستقيم. تصل به إلى الله مباشرة. ربما في عدة دقائق. فالله قريب منك جدًا. أقرب مما تتخيل. قال تعالى:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إذًا عليك البحث عن هذا الصراط المستقيم إلى الله بالله نفسه. لأن الصراط مخفي في هذه المتاهة.
الإشارات الربانية ومصادر الوحي المتنوعة
والإشارات والوحي من الله للصراط المستقيم ليست مقتصرة على أن تجد الكتاب المباشر للطريق. أو سماع موعظة تنبهك فقط. لكن ربما إشارات الله متعددة ومتنوعة. وربما تكون بموقف يمر أمامك. وإشارات الوحي مثل:
الإلهام الغريزي والفطري: كما في وحي الله للنحل {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}. الإلهام العام (القذف في النفس): كالوحي لأم موسى {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ}. الإشارة السريعة: كقوله تعالى عن زكريا {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}. وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيم. وفي الحقيقة، ربما تعلمت من أشخاص لا أعرفهم. ولم ينطقوا بكلمة أصلًا. وكان ذلك بالسلام عليهم. وبمجرد النظر إليهم.
إشارات المواقف ودلالاتها
وإشارات المواقف: كما أرسل الله غرابًا ليبحث في الأرض أمام قابيل. ليعلمه كيفية دفن جثة أخيه هابيل. قال تعالى على لسان قابيل:
قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ. إذًا، إشارات ولطائف الله يرسلها بطرق متنوعة ومختلفة. للصراط المستقيم أو للتوجيه لنقطة معينة.
الأحلام والرؤى كإشارات ربانية (أمثلة)
أو ربما تكون حلمًا أو رؤيا. كما قص الدكتور مصطفى محمود رحمه الله. حين كان في روسيا، بلد الثقافة والإلحاد. وقص عليه صديق له روسي أنه رأى في المنام أن جمال عبد الناصر مات. وفعلاً، ثاني يوم مات جمال عبد الناصر. وكان هذا الموقف هو الذي جعل الدكتور مصطفى محمود يعيد كل حساباته وقناعاته من جديد. والسبب الرئيس لعودته إلى الله. رغم أنه لم يرَ هذا الحلم أصلًا. لكن صديقه كان مرسال الإشارة إليه. وصديقه في الأغلب نسي الموضوع بعدها أصلًا. أو كما هو الحال مع رؤيا ملك مصر. التي فسرها النبي يوسف عليه السلام فيما بعد. كما وردت في سورة يوسف. تمثلت الرؤيا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف. وسبع سنبلات خضر وأخرى يابسات. وعبر يوسف عليه السلام الرؤيا عن سبع سنوات من الرخاء والإنتاج (سمان/خضر). تليها سبع سنوات من القحط والمجاعة (عجاف/يابسات). وقد أرشد يوسف الملك لادخار الحبوب في سنوات الرخاء لمواجهة المجاعة. وعلى تفاصيل الآيات حتى لا أطيل. كان هذا هو الباب لخروج يوسف عليه السلام من السجن. وعلو مقامه. فكل هذه إشارات من الله سبحانه وتعالى. لكن طبعًا لن تصل هذه الإشارات إذا كان هناك عوائق لها.
عوائق تلقي الإشارات الربانية
وأولها الإيجو. والإحساس بالذات. والإحساس بالعلو. والقدرة العقلية. لكن يجب على أي باحث عن الصراط المستقيم أولًا. الانخلاع التام من فكرة الأنا. وأي أفكار مسبقة. كأنه طفل أعمى تمامًا. لا يسمع ولا يرى. والتسليم المطلق لله. حتى يضيء له النور بطريقة أو بأخرى. وهذه الطريقة البسيطة وجهت إليها بعض الملحدين الأشد مجادلة. دون تقديم أي براهين عقلية أخرى. وجاءتهم بعدها مباشرة إشارات الله.
خاتمة
وتابعونا في الحلقة القادمة، إن شاء الله.
