الجزء الرابع: معادلة الإسراء | رقعة الشطرنج الأخيرة


البقرة الحمراء…معادلة الإسراء عن نهاية بني إسرائيل؟ | رقعة الشطرنج الأخيرة (4)
أهلاً وسهلاً بحضراتكم.
الهدف الأكبر: بناء الهيكل الثالث
توقفنا في الحلقة السابقة عند المرحلة التي يبدو فيها أن المشروع الصهيوني قد حسم أمره، واتجه بقوة نحو هدفه الأكبر: بناء الهيكل الثالث تمهيدًا لاستقبال مسيحهم المنتظر.
لكن لكي نفهم الصورة بشكل أوضح… دعونا نتأمل هذا المشهد الغريب.
مفارقة المشروع الصهيوني و"البقرة الحمراء"
كيان يمتلك أحدث الأسلحة، ويتحكم في مفاصل الاقتصاد والإعلام العالمي… ومع ذلك، يقف مصير مشروعه العقائدي والسياسي الأكبر على شعرة بيضاء قد تظهر فجأة في جسد بقرة!
نعم… إنها البقرة الحمراء. فقد تم استجلاب خمس بقرات بمواصفات جينية صارمة من ولاية تكساس الأمريكية.
دلالة البقرة الحمراء في العقيدة التوراتية
لكن السؤال هو: لماذا كل هذا العناء؟ لأن العقيدة التوراتية لديهم تشترط حرق بقرة حمراء بالكامل – لم يمسها عيب، ولم يوضع عليها نير – ثم استخدام رمادها في طقوس تطهير الكهنة. وبدون هذا الرماد، يُحرَّم عليهم – بحسب معتقدهم – دخول باحات المسجد الأقصى، والبدء الفعلي في وضع حجر الأساس لما يسمونه الهيكل الثالث.
إنهم يجلبون الأبقار من آخر الدنيا… ليصنعوا النبوءة. ويمهدوا بها لخروج مسيحهم المنتظر. وسنرى لاحقًا من هو هذا المسيح الذي ينتظرونه.
النبوءة القرآنية ومستقبل الصراع
لكن وسط هذا الهوس المادي، وهذه الهشاشة الفكرية، يبدو أنهم نسوا أمرًا مهمًا جدًا: أن هذه القطعة من الأرض تحديدًا… لها بيان إلهي نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا. بيان حسم هويتها… وربما حسم نهايتها أيضًا.
فبينما يخططون هم في الأرض، سنتوقف قليلًا عند المعاني القرآنية الحاسمة المتعلقة بمستقبل هذا الصراع، ونحاول أن نتأملها لنفهم ما قد يكون مرتقبًا.
دعونا نتوقف عند سورة الإسراء – أو سورة بني إسرائيل كما كانت تسمى في عهد الصحابة، وكلا الاسمين صحيح. إنها سورة تحمل رؤية عميقة للتاريخ… وربما للمستقبل أيضًا. وكأنها تضع أمامنا معادلة النهاية.
المحور الأول: الإسراء إلى المسجد الأقصى
تبدأ السورة بآية عظيمة يقول الله تعالى فيها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
وهنا نجد إشارة بالغة الأهمية: ارتباط المسجد الحرام بـ المسجد الأقصى ارتباطًا مباشرًا في هذه الآية. فالبداية كانت من المسجد الحرام… وقد تكون النهاية مرتبطة بالمسجد الأقصى.
المحور الثاني: الخطاب الموجه إلى بني إسرائيل
تنتقل السورة إلى خطاب مباشر لبني إسرائيل، تذكّرهم بنعم الله عليهم. والأمانة الملقاة عليهم.
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾
لكن هنا يظهر سؤال مهم: من هو إسرائيل أصلًا؟
في القرآن يُذكر الاسم مفردًا في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾
وقال تعالى أيضًا: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾
معنى كلمة "إسرائيل" في التوراة
في التوراة (المعتقد اليهودي)
كلمة إسرائيل في العبرية تتكون من مقطعين: إسرا: بمعنى يصارع أو يغلب. إيل: بمعنى الله. أي أن المعنى يصبح: مصارع الله.
وتذكر التوراة المحرفة – في سفر التكوين – قصة غريبة عن صراع جسدي حدث بين النبي يعقوب والرب طوال الليل، وأن يعقوب خرج منه منتصرًا. وهو معنى يحمل تجسيدًا وتطاولًا لا يليق بجلاله سبحانه وتعالى.
معنى كلمة "إسرائيل" في المصادر الإسلامية
في المصادر الإسلامية
أما في التفسير الإسلامي واللغة العربية، فالمعنى مختلف تمامًا. كلمة إسرا في اللغات السامية القديمة قد تعني: عبد أو صفوة أو سر. وإيل تعني الله. (مثل جبرائيل، ميكائيل) وغيره.
ولهذا أجمع كثير من علماء اللغة والتفسير على أن معنى إسرائيل هو: عبد الله أو صفوة الله. أو حبيب الله. وشتان بين المعنيين.
أما عبارة بني أو بنو إسرائيل فهي ببساطة تعني: أبناء وسلالة إسرائيل.
والرأي الغالب عند علماء المسلمين أن إسرائيل هو النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
وقد ورد في حديث أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة، فأجابهم أنه لحم الإبل وألبانها، وكان ذلك نذرًا نذره يعقوب عليه السلام عندما شفاه الله من مرض.
ورغم قول القلة أنه لا دليل في القرآن على أن إسرائيل هو يعقوب، وأن الحديث السابق ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يكون عليه بعض المتابعات، لكن في المقابل لم يقدموا دليلًا على أي شخص آخر، وأصبح الموضوع مجرد خيالات بلا دليل.
ولو تطرقنا لهذا الموضوع تحديدًا بالتمحيص، فقد يخرجنا عن أصل الموضوع الذي نحن به.
لماذا اسم "إسرائيل" وليس "يعقوب"؟
سؤال قد يطرحه البعض
إذا كان إسرائيل هو يعقوب، فلماذا لم يقل القرآن: بني يعقوب؟
الجواب أن القرآن يستخدم اسم يعقوب عندما يتحدث عنه كشخص ونبي وأب. (كما في سورة يوسف: "وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ").
أما اسم إسرائيل فيستخدم غالبًا في سياق الحديث عن الرسالة والأمانة الدينية التي كان يجب على ذريته حملها. لكنهم خانوها.
فالاسم الأول يشير إلى الشخص. أما الاسم الثاني فيشير إلى المقام الديني.
المحور الثالث: التذكير بنوح عليه السلام
قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
لكن لماذا يذكّرهم الله بنوح تحديدًا؟
لأن نوحًا عليه السلام يعد أبا البشر الثاني بعد الطوفان العظيم. فبعد الطوفان لم ينجُ إلا من كانوا في السفينة.
وكان معه أبناؤه الثلاثة: سام وحام ويافث. والرابع هلك كما ذكر القرآن.
ومن ذريتهم جاءت البشرية من جديد. ومن نسل سام جاء العرب وبنو إسرائيل وغيرهم. ولهذا ظهر مصطلح السامية الذي نسمعه كثيرًا.
لكن التذكير بنوح هنا يحمل معنى أعمق: أن النجاة كانت فقط في السفينة. أما من كان خارجها فقد لقي الهلاك.
وكأن الرسالة هنا واضحة: أن الهلاك قد يقع مرة أخرى… ولكن بصور مختلفة. لمن يبدل نعمة الله كفرًا ويفسد في الأرض.
وقد أشار القرآن في نفس السورة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾
وكأنها إشارة إلى المستقبل المرتقب.
وبعد هذا التأسيس المذهل، تبدأ السورة في تفكيك تاريخ بني إسرائيل ومستقبلهم. حيث يخبرنا القرآن بوضوح عن إفسادتين في الأرض، يتبعهما عقابان رادعان. وهنا تبدأ معالم الصورة في الظهور.
لكن، قبل أن نغوص في هذه المعادلة القرآنية المعقدة لتفكيك الوعد الأول ووعد الآخرة، سنتوقف هنا. وسنحاول في الحلقة القادمة أن نفهم تفاصيل هذه المعادلة ونسقطها على واقعنا اليوم، كما عرضها القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
تابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
🔗 أجزاء سلسلة "رقعة الشطرنج الأخيرة"
- الجزء الأول: أول حجر دومينو
- الجزء الثاني: لماذا بدأت القصة من بابل؟
- الجزء الثالث: شفرة الهيكل
- الجزء الرابع: معادلة الإسراء2 (أنت تقرأه الآن)
- الجزء الخامس: لماذا لا تتطابق التفسيرات ؟
- الجزء السادس: التاريخ الخفي؟
