الجزء الثامن | عوالم اياك نعبد واياك نستعين


مفاتيح عوالم إياك نعبد وإياك نستعين (المفتاح الثامن)
أهلاً وسهلاً بحضراتكم.
رحمة الله وعذاب الآخرة: تساؤلات ومواجهة
توقفنا في الحلقة السابقة عند جذور شجرة الحمد، وتحديداً الجذر الثاني: 'الإقرار التام برحمانية الله'. وهذا ما فتح الباب أمام تساؤلات حول 'رحمة الله' في مقابل 'عذاب الآخرة والجحيم'. تبدو صور العذاب في الآخرة شديدة جدًا، لدرجة جعلت البعض ينكر وجود العذاب أصلًا استنادًا إلى سعة رحمة الله. وطبعًا، هناك بعض الأقاويل عن ذلك منسوبة إلى ابن عربي وغيره. لكن الواقع الذي نعيش فيه يدحض هذه النظرة؛ فالدنيا مليئة بنماذج مصغرة من الجحيم؛ من نيران الحرائق، والبراكين، والزلازل، وحتى الألم الجسدي الشديد كأمراض السرطان وغيرها. هذا الألم الدنيوي يثبت أن العذاب قائم لا محالة.
الإقرار بيوم الدين: مفتاح التوافق بين الرحمة والعذاب
وهنا نصل للسؤال الصعب: كيف يتسق الجحيم مع رحمة الله المطلقة؟ للرد على ذلك، لا بد من تفعيل الجذر الثالث لشجرة الحمد: (الإقرار بيوم الدين). قال تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. أي أن هناك مسؤولية (دَيْن)، وهناك حساب لهذا الدين يسمى 'يوم الدين'. وهذا الحساب لم يأتِ عبثًا، بل جاء بناءً على 'اختيار شخصي' لكل إنسان لدخول هذا الاختبار الصعب. وطبعًا، لم يكن إجبارًا.
اختبار الوجود: الاختيار بين السيادة والخلود
في البداية، خلق الله الكائنات كأرواح مجردة، وعرض عليهم الدخول في هذا الاختبار. الجائزة المبدئية لمن يوافق: أن يكون سيد المخلوقات، كائنًا عاقلًا يبني الحضارات والكل مسخر لخدمته. والجائزة الكبرى لمن ينجح: الخلود في الجنة. لكن في المقابل، الشرط القاسي لمن يفشل: الخلود في النار.
مسؤولية الأمانة: قصة الإنسان وظلمه لنفسه
من وافق على تحمل هذه الأمانة أصبح 'إنسانًا'. ومن أشفق منها وآثر السلامة، أصبح جبلًا، أو حجرًا، أو حيوانًا؛ كائنات محدودة الامتيازات، لكن لا حساب عليها ولا عذاب. ويبدو أن من اختار هذا الاختبار قد ظلم نفسه، لأنه تناسى خطورة الفشل. قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}.
العدل الإلهي المطلق: لا إجبار
من هنا يتضح كمال العدل الإلهي؛ لا إجبار. وليس من المقبول أن يصبح الإنسان سيد الكائنات ويسيح في الأرض فسادًا، وفي الآخرة يدخل الجنة، وفي المقابل، ما ذنب البقرة التي نذبحها ونأكلها؟
تذكير بالعهد: الفطرة والاختيار المتجدد
ثم جاء التأكيد الثاني، حين استخرج الله الذرية من ظهور الآباء، وأشهدهم على أنفسهم. قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ}. قد لا يتذكر أحدنا هذه المراحل في عالم الأرواح، لكنها 'مجبولة' في فطرة الإنسان. لذا، مهما ادعى أي شخص أنه أُجبر على الوجود، فالاختيار لا يزال كامنًا بداخله. سألت صديقًا يومًا: 'أمامك فرصة للتراجع عن هذا الاختبار وتكون حيوانًا غدًا بلا حساب'. صدقوني، لم يجرؤ أحد على هذا الاختيار أبدًا. لكن رحمة الله معنا في كل المستويات إمدادًا، طالما بدأنا على الطريق الصحيح.
التوحيد المطلق: ميزان الأعمال الصالحة
لأن النجاة في هذا الاختبار، أساسها الأول والأخير: التوحيد المطلق للربوبية. وكثيرًا ما نسمع عن أعمال الخير، ومساعدة الفقراء، والسعادة، وإلى آخره مما يروج له المستغربون. هناك من تبرعوا بنسبة كبيرة من ثرواتهم، وآخرون أفادوا البشرية باختراعات طبية أو علاجات وغيره، لكن كل هذا لا وزن له عند الله إن لم يُبنَ على توحيد الربوبية وابتغاء وجهه، لأن المقياس هو 'الإخلاص'.
من تُسَعَّر بهم النار أولًا: خطورة الإخلاص المفقود
يتجلى هذا الرعب في حديث 'أول من تسعر بهم النار يوم القيامة'، وهم ليسوا قتلة أو لصوصًا، بل شهيد، وعالم، وجواد! والحديث طويل وأعتقد الكل يعلمه، واختصارًا بما معناه:
أول من تُسَعَّر بهم النار:
- شهيد يقول لله: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار.
- وعالم يقول لله: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار.
- وجواد يقول لله: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
الأولوية: بناء الدين أم الدنيا؟
هذه هي خطورة النية دون توحيد خالص. وكثيرًا ما نسمع عن بناء الدول والمدن والأبراج، والتكافل الاجتماعي، والحضارة وغيرها. لكن في الحقيقة، لا فائدة أصلًا من بناء الدنيا أو إصلاحها، وكان أولى بهم بناء الدين وإصلاحه.
حديث الخُصّ: دعوة لإعادة ترتيب الأولويات
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، مرَّ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ونحن نُعالجُ خُصًّا لنا وَهَى، فقال: ما هذا؟ فقُلْنَا: خُصٌّ لنا وَهَى فنحن نُصْلِحُه. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما أَرى الأمرَ إلا أَعْجَلَ مِن ذلك. والخُصُّ: بيتٌ صغيرٌ يشبِه الحُجرةَ، ويُبنى عادةً من الحَطَبِ أو الطِّينِ أو فروعِ الشجرِ وما شابه. قالَ عبدُ اللهِ: فقُلنا: "خُصٌّ لنا وَهَى"، أي: سقَطَ، "فنحنُ نصلِحُه". فلربما رسول الله ﷺ نهاه عن إصلاح هذه الحجرة المتواضعة جدًا لينبهه بالأمر الأكبر. لأن ما يبدو أن ما نبنيه ما هو إلا بيوت على الرمال، سريعًا ما تأتي موجة بحر فتنسفها.
خاتمة
وسنكمل إن شاء الله باقي جذور شجرة الحمد. وتابعونا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
